mardi 30 avril 2013

الحماية القانونية للأطفال مواجهة بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية



الحماية القانونية للأطفال
مواجهة بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية

أ.د. رجاء ناجي(*)

يقال الطفل ويقصد به الناعم الرخص من كل شيء من ثم فالطفل في الإنسان هو صغيره الذي لم يشتد عوده والطفولة هي مرحلة من عمر الإنسان ما بين ولادته إلى أن يصير بالغاً مكتملا قادراً.
نهاية الطفولة: تلزم الإشارة إلى أن هذه النقطة بالذات ظلت على مدى الأزمان غير محددة بدقة، بحيث أعطى لتعريف الطفولة معنى واسعاً، لم تُعرَف معه نهايتها. إلى أن أصدرت هيأة الأمم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل المؤرخة ب 20 نوفمبر1989، مُعَرِّفَةً الطفل بأنه >كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ الرشد بموجب القانون المطبق عليه<. من ثم فلفظ الطفولة يستوعب كل المراحل التي يقطعها الإنسان منذ ولادته إلى أن يصل سن الرشد، أي وهو صبي، ثم يافع، ثم شاب. 
 
عندما نقول طفل نقول تلقائياً : رجل الغد. ومعنى هذا أن الطفولة تقتضي عناية خاصة وحماية قانونية زائدة، إن أردنا فعلاً أن نكوِّن نساءً ورجالاً صالحين فحسن تكوين وتربية الطفل  ليست قضية الطفل المعني فحسب، وإنما هي قضية المجتمع الذي سينصهر فيه وقضية الأمة بكاملها، إذ تلزم كل الطاقات الفاعلة بالإسهام في توفير الجو الملائم لحسن تربية وتكوين النشء وتهييئه لمواجهة الحياة. ويأتي التشريع  في المقام الأول، لأنه بدون إجبار قد لا يلتزم الكبار باحترام الواجبات الملقاة على عاتقهم تجاه الصغار.
حتى عهد قريب لم يكن الطفل يشكل موضوعاً مؤرقاً، ولا الناس كانوا يهتمون بحقوقه وواجبات المجتمع تجاهه. لكن مع تعقد الحياة الاجتماعية، تبعاً لتحولات أنماط الإنتاج، تفاقمت قضايا الطفل وبات يشكل خطراً على نفسه وعلى المجتمع، ومع التحولات المجتمعية وزحمة الحياة والامتدادي العمراني، أضحى الطفل محل اعتداءات حتى من أقربائه. ومع الأيام تعقدت الأبعاد الاجتماعية الاقتصادية التي يفرزها تهميش الأطفال وحرمانهم من حقوقهم، وزاد الأمر خطورة بالمجتمعات التي لم تمنح الموضوع ما يستحقه من عناية.
فعدم الاعتناء بالطفل في ظل المتغيرات الحديثة، يحوله إلى مصدر للخطر على نفسه وعلى غيره. والطفل غير السوي يحتاج للعلاج، للرعاية، لإعادة التأهيل لا للنبذ والعقاب. من ثم، فالطفل في حاجة متنامية  لحقوق تحميه من الأخطار والأضرار التي تعترضه، وهذا ما حدا بهيأة الأمم المتحدة لإفراد اهتمام خاص للأطفال والطفولة(1).
أما الإسلام فكان أسبق من غيره للعناية بالطفل وتسخير كل الطاقات لتوفير حياة متوازنة،  قادرة على إعداد رجل مستقبل سوي صالح.
إنما كيف يتصور، في ظل شرع يدعو للعناية بالطفل ويهيء له كل الظروف ليعيش حياة كريمة، وفي ظل قانون وضعي (من وضع البشر) يدعو بإلحاح للاهتمام بالطفل طاقة المستقبل، تتحول جيوش من صغار السن في العالم الإسلامي بأسره إلى فئات محرومة لا تستفيد من الحقوق التي أقرها الشرع، ولا تلك المستلهمة من العدالة الطبيعية؟.
ما هي أسباب استشراء ظاهرة الأطفال المحرومين وعوامل تنامي أعدادهم؟ وماهي الحقوق التي تضمنها المجتمعات المسلمة عمليا، لفتيانها وفتياتها؟ وما مدى فعالية هذه الحقوق؟ هل يحتاج الوضع لحلول إضافية غير تلك التي اقترحت وطبقت حتى الآن، أم أن الطفولة المحرومة قَدَرٌ لا يمكن التهرب منه؟.
سنحاول الإجابة عن الحماية الشرعية والقانونية  للأطفال، لنتعرف بعد ذلك عن واقع الطفل في ظل التحولات العمرانية والاجتماعية التي تعتمل في العالم الإسلامي وفي الختام سنحاول استبصار سبل الحد من تداعيات هذه التحولات على حقوق وواقع الأطفال.
وإذ نفعل، فإننا نشكر المنظمة الإسلامية إيسيسكو عنايتها الخاصة بهذه الفئة المستضعفة،  وانسجاماً مع توجه المتلقي، سنسعى للتقريب بين المبادئ الشرعية والقوانين العصرية في موضوع حقوق الطفل، ثم سنقوم بقراءة لهذه الحقوق على أرض الواقع، في محاولة لاستكناه مكامن الخلل وتصور حلول ملائمة عن مجمل هذه التساؤلات بالحديث  عن :

المبحث الأول :  الحماية الشرعية والقانونية للأطفال المحرومين
سوف نعدد، في مقارنة وإيجاز، الحقوق المعترف بها للطفل في الظروف العادية، ثم في الظروف الصعبة، التي تكون سبباً لحرمانه وعدم اندماجه في مجتمعه :
أولاً : حقوق الطفل في الظروف العادية :
الحق في الحياة والمجىء إليها : تعمدنا استعمال عبارة >الحق في المجيء للحياة< لأن الشرع والقانون يحميان الطفل حتى وهو جنين. وهذه الحماية تتمثل في تجريم الإجهاض، فأحرى القتل.
حق الطفل في الحرية : حصل إجماع من القانون المقارن والاتفاقيات الدولية (اتفاقية 1989 بشأن حقوق الطفل، اتفاقية 1926 بشأن الاسترقاق، اتفاقية 1949 بشأن مناهضة الرِّق واستغلال الناس للدعارة)، على تجريم كل اعتقال        للأطفال أو حَدٍّ من حرياتهم لأي سبب كان ولو في زمن الحرب.
والإسلام لما جاء كانت العبودية نظاماً سائداً، فسلك سياسة متدرجة حكيمة، تسعى لاستئصال الظاهرة من أساسها. ومن أجل ذلك وُظِّفت وسائل عديدة لتحرير الرقاب في زمن السلم والحرب معاً، ونجحت بالفعل.
تنظيم الوضعية القانونية للطفل : تتمثل المكونات الأساسية للهوية القانونية في الإسم والنسب والجنسية، وقد ألزمت جل القوانين الأبوين بتسجيل هوية الطفل في سجل رسمي، معتبرة كل تحريف في الهوية فِعلاً مُجَرَّماً. ينضاف لذلك الحق في أن تكون له أهلية للاغتناء، والحق في ذمة مالية.
والإسلام هنا أيضاً كان أسبق من غيره لحماية وحفظ هوية الطفل. إذ حث على مَنْحِهِ اسما محبَّباً للنفس : { ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان }(2)،  ثم أقر للطفل حق الانتساب لأسرته، وجعل ذلك واجباً دينياً ودنيوياً على عاتق الآباء، كما جرم كل تغيير في هوية الطفل : { ادعوهم لآبائهم }(3).
الحق في الهوية الثقافية العقائدية :  إن اتفاقية 1989 (بشأن حقوق الطفل) تعتبر عهدا جديداً، لحرصها على حماية حقوق الطفل عندما تختلف هويته العقائدية وثقافته عن ثقافة الدولة المُضيفة أو عن عقيدة الوالدين أو أحدهما، خصوصاً عند انفصالهما. هنا بالذات حاولت إيجاد حلول توفيقية، كي لا تضيع حقوق الطفل بسبب الخلافات.
والإسلام أقام مبادئه على أساس احترام باقي الديانات والتعايش معها وعدم إرغام الناس على اعتناق الإسلام كرها : { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي }(4). وفي الحديث والآثار حكم بليغة بينت بكفاية طرق التعامل مع الذمي والكافر، وكيف أن السلم كان واجب وخُلُقَ الفاتحين وأن الخروج عنه كان منافياً لتعاليم الدين.
حقوق الطفل على الأسرة : الحق في الانتساب لأسرة لا يتوقف مداه عند حمل اسمها، وإنما يتعداه إلى مجموعة حقوق يكتسبها الطفل بمجرد ولادته ويتحملها الأبوان. وعلى رأسها حقه في الأبوة والأمومة. وحسب جل التشريعات الوضعية تثبت بنوة الطفل متى كان ثمرة زواج شرعي صحيح. إنما إنصافاً للطفل يثبت النسب أيضاً بالإقرار أو الاعتراف، مع تفاوت وتباين بين القوانين في طرق الاعتراف وحدوده.
ونذكر بأن حق الأسرة في حضانة الطفل يعد واجباً ومسؤولية أكثر منه حقاً أو امتيازاً. مسؤولية تشمل واجبات الرعاية والحضانة والتربية والإنفاق والتدريس والتحسيس بالأمان والدفء، لغاية ضمان نفسية سوية للطفل.
حقوق الطفل على الدولة:  في ظل التغيرات وانكماش الأسرة (أسرة نووية)  وتضاؤل التكافل الاجتماعي، أضحى دور الحكومات أكثر فعالية من السابق. فبدأ يترسخ في الأذهان وسياسات بعض الدول أنه :  قبل أن تكون للدولة حقوق على مواطنيها وقبل أن تأمل في أن يكون لها مواطنون صالحون، تُلزَم بتوفير الظروف الكفيلة بإعداد أطفال أسوياء ورجال غد مقتدرين. من ثم أقرت غالبية الدول حق الطفل في التربية والتعليم، في الصحة، في إغنائه عن العمل، وإذا ما اقتضى الحال أن يشتغل، فيلزم ضمان ظروف عمل تلائم نعومته.
والمسؤولية عن الرعية في الإسلام، لا تقتصر على تحقيق الأمن، وإنما تتعداه لدقائق الأمور. فبمجرد الشروع في بناء أولى أواصر الدولة الإسلامية، أقيمت بنيات تحتية كانت في عصرها مثالية، بحيث جُعِل من التعليم غاية سامية وُظِّفت من أجلها كل الوسائل، فأبيح أن يكون تعليم القراءة والكتابة وتعليم القرآن أجراً، ومهراً، وفدية من الأسر وصدقة وإحساناً.
ذلك إذن مجملٌ مُرَكَّزٌ (أقصى ما سمح به المجال) عن حقوق الطفل. يحق  لنا بعده أن نتساءل عن أي منها يفتقده الطفل في وضعية صعبة، وما إذا كان هذا الأخير يحتاج لعناية خاصة من المشرع، وإلى حقوق إضافية تستجيب لصور الحرمان التي يعاني منها :

ثانياً : حقوق الطفل في الظروف الصعبة
عدم التكيف أو التهميش يأخذ شكل حرمان من الطفولة ومن مباهجها، من التربية والتمدرس أو حرمان من أبسط مقومات الحياة الكريمة. ثم يأخذ عدم التكيف عدة أبعاد تختلف بحسب السن والجنس. إذ قد يترجم إلى عزوف عن الدراسة أو رسوب، أو هروب من المدرسة لينتهي الأمر في جل الحالات إلى انقطاع تام عنها؛ وقد يأخذ شكل عصيان لأوامر الأسرة أو الأشخاص المسؤولين عن الطفل، ويصل التمرد مداه عندما يوجه نحو النفس أو نحو المجتمع بكامله، في صورة تعاطٍ للمخدرات، أو عنف ضد الأطفال الآخرين، أو سطو وانضمام لعصابات إجرامية، أو ممارسة الدعارة، ومع التقدم في السن يتقن الطفل عديداً من وسائل الإجرام فيرشَّح لأن يصبح جانحاً محترفاً، إذا لم يجد منقذاً في أي مرحلة من المراحل الصعبة التي يجتازها.
من ثم، فالأطفال المحرومون هم فئات مختلفة، جامعهم عدم الاندماج في المجتمع بطقوسه وقيمه وضوابطه المتعارف عليها. إنما هم يصنفون إلى عدة فئات تبعاً لأسباب عدم التكيف، ونجملها في : الأطفال المتخلى عنهم، الفقراء، المعوقون، غير المتمدرسين، المشردون، اللاجئون، الممزقون عائلياً، والأطفال غير الشرعيين.
وكل فئة تفتقد جزءاً من المقومات، ولتحقيق احتياجاتها يجب تمكين كل منها من حقها المفتقد، على أن عوامل الحرمان مهما اختلفت تؤدي عادة  لنفس النتائج : الحرمان من النسب أو الهوية أو الأسرة أو العائل، التمدرس، التربية، الاستقرار، حق المواطنة، لذلك سنحاول تركيز ما يحتاجه الطفل غير المتكيف المهمش من حقوق إضافية كالتالي :
1. حق الطفل غير الشرعي في النسب :  إقرار الشرع والقانون بالنسب الشرعي وحده، ليس المقصود منه أن يعيش الطفل غير الشرعي بدون هوية. فالذي سعى له الإسلام ليس نبذ الأطفال غير الشرعيين، بل سعى لمحاربة اختلاط الأنساب وزواج المحارم وشيوع الفاحشة واستشراء الزنى، أي استئصال الشر من جذوره. ومن خلال مطالعة اجتهادات الفقهاء يلاحظ مدى حرصهم على إلحاق الابن بنسب الزوج متى وجدت قرينة على الإلحاق. ومن أجل ذلك توسعوا في وسائل إثبات النسب، وتضييق فرص إنكاره :
ـ فكل طفل ولد على فراش الزوجية يعدُّ ابناً شرعياً ما لم يثبت العكس بحكم قضائي نهائي.
ـ وإنكار النسب له شروط محكمة في الشرع، ومسطرته دقيقة، بحيث قد تنقلب ضد الأب المنكر لنسب ابنه إذا لم يُثبت زنى زوجته أو إذا رفض الملاعنة، فيطبق عليه حد القذف.
ـ أما الاستلحاق أو الإقرار بالبنوة فمسطرته أيسر، لا تتطلب شروطاً أو شكليات معقدة. إذ يكفي ألا يكذب المستَلحِق عقلٌ أو عادة كي يلحق به الولد.
ـ كما اعتُمد إقرار الزوج وسيلة للإلحاق ولو بعد إنكاره نسب الولد المولود على فراشه، أو ملاعنته  لزوجته.
ـ ويكتفي الشرع ببينة السماع أو شهادة الشهود لإلحاق الولد بنسب شخص آخر.
ـ الزواج الفاسد بسبب تخلف إحدى شرائط انعقاده يعتبر باطلا، إلا أن الولد يلحق. وذلك خروجاً عن الأصل وهو أن العقد الباطل لا يرتب عليه أية آثار.
ـ الزواج بين المحارم فاسد ويفسخ بدون طلاق، لكن إذا تم بحسن نية، فالولد يلحق بأبيه شرعاً، رغم البطلان.
2. الحق في أسرة بديلة :  مَنْع الشرع للتبني لا يقصد به حرمان الطفل من الانتساب لأسرة بديلة أو إدماجه فيها، وإنما القصد منع اختلاط الأنساب. وتوفيقاً بين الأمرين ابتدع الشرع الرضاع والتنزيل منزلة الولد والموالاة والأخوة في الدين.{ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم }(5)؛ التكفل.
والأطفال غير الشرعيين الذين يولدون رغم التدابير الاحترازية، ليس من العدل أن يؤدوا وحدهم ثمن استشراء الرذيلة أو اللامسؤولية، ولإنصافهم، أقر الإسلام مجموعة مبادئ تصون كرامتهم وتحدد لهم هوية. إنما يلاحظ أن قوانين جل الدول الإسلامية، سكتت عن حقوق الأطفال غير الشرعيين. خصوصاً ما يتعلق بحضانتهم أو التكفل بهم، أو بيان حقوقهم على الدولة في التكفل والنفقة، أو تشجيع الأسر على احتضانهم. وذلك ربما لتحرجها من ظاهرة الأطفال غير الشرعيين. فكانت النتيجة أن تزايدت، في صمت، أعداد الأطفال المحرومين من الأسرة، ومع ذلك فالموضوع يبقى مسكوتا عنه، تابوه (un tabou).
هذا في حين تعامل معهم الشرع برحمة وتَفَهُّم لوضعهم. ويمكن إجمال موقفه في كون الرسول ص  قبل إنفاذ حكم الرجم في الغامدية، دفع بابنها لرجل صالح من المسلمين ليتولى تربيته ورعايته. هذا عدا كَمٍّ هائل من الآيات والأحاديث تحض على إكرام اليتيم ورعايته والتكفل به وتربيته وصونه، أيا كان سبب اليتم.
3. حق الطفل في مورد للعيش :  لما جاء الإسلام واجه تبايناً طبقياً مقلقاً،  فسعى، لا إلى اجتثاث الغنى وإنما لمحاربة الفقر، حاثاً الناس على العمل والسعي والمواظبة، ونبذ الاتكال والخنوع جاعلا من الخدمة على العيال واجباً وصدقة وحسنة تقدمُ كل أعمال الخير، معتبراً اليد العليا خيراً من اليد السفلى. كما حارب البخل وكنز الأموال، وأقام قواعد متراصة تكفل تداول الثروات بين الناس وعدالة التوزيع.
وفي المقابل، إذا عجز الإنسان عن الكسب وضمان قوت عياله، أو وُجد طفل بدون عائل، فالحكم الشرعي أن العشيرة (المجتمع) تتكفل به، وإلا تولى ذلك بيت المال. فابتدع الشرع طرقاً لتمويل أعمال التكافل (الضمان الاجتماعي) وعلى رأسها الزكاة، أحد أركان الإسلام، والكفارات والإحسان والصدقات والفداء.
4. الحق في التربية والتعليم : عوامل الحرمان السالف سردها تجتمع في نهاية المطاف لتحرم الطفل من التمدرس. والحرمان من التعليم وحده يعتبر كافيا للعيش على هامش الحياة، لأن مستقبل الشعوب هو العلم، والموارد البشرية هي الثروة الأساسية في عصر المعرفة، ومن ثم تبقى الأمية من أكبر عوائق الاندماج والتقدم.
فطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، لا فرق بين محظوظ ومحروم، ودون وضع حد لسن التعلُّم، وحسبنا أن نذكِّر بأن الشرع جعل تربية الولد والإحسان إليه أفضل أبواب البر والإحسان فما أجمل الحديث : > ما نحَل والدٌ ولدَه أفضل من أدبٍ حسن<، و>لأن يؤدب الرجل ولَده خير من أن يتصدق بصاع<.
وهيأة الأمم، في إطار اتفاقية 1989، حضت الدول على تفعيل الوسائل لضمان حق المواطنين في التعليم، وتكييف البرامج مع الأوساط الاجتماعية ومع المعتقدات الدينية. حاضَّةً على استعمال كل السبل لمحاربة ترك الدراسة؛ وعلى التعاون الإقليمي المشترك لتبادل الخبرات ومحاربة الأمية (م 30-28).
5. ضمان الاستقرار للطفل : كثير من حالات عدم التكيف مرجعها انعدام الاستقرار بسبب النزوح واللجوء والتشرد والافتقاد لأسرة حاضنة والافتقاد للجنسية سواء في ظروف السلم أو الحرب.
والإسلام هنا أيضاً كان السباق لحماية هذه الفئات، بأن حثَّ على التكفل بالأطفال المتخلى عنهم ومنحهم كل ما يحتاجونه من عطف وحنان وتربية وتعليم. واعتبر كل طفل مولود في دار الإسلام حراً، منتميا لها، له حقوق على بيت مالها. أما عن اللجوء فليس ثمة أبلغ من مثال المهاجرين والأنصار، وما حمله من رموز لإدماج المهاجرين في المجتمع الجديد بشكل مثالي يلزم الاعتبار به. كما أقام الإسلام أخلاقيات للحرب والفتح منها عدم المساس بالطفل والمرأة (حاضنة الطفل).
وهيأة الأمم المتحدة في اتفاقية 1989 توقفت عند هذه الحالات بالذات، حاضة الدول الأطراف على احترام الأقليات (م 30)، ومنح الطفل اللاجئ كل ما يحتاجه من مساعدات وتمتيعه بكافة الحقوق كباقي الأطفال (م22).
6. إدماج الطفل المعاق : هنا أيضاً حمل الإسلام عبراً كثيرة يُستدل بها على ضرورة إدماج المعاق في المجتمع، ونختزل ذلك في مثال ابن أم مكتوم الضرير، الذي من أجله تلقى الرسول أول وآخر عتاب إلهي : { عبس وتولى أن جاءه الأعمى ... } (6).
7. حماية خاصة للأطفال المُعَرَّضين للاستغلال والاعتداء : إن أسباب استغلال الطفل لا حدود لها، بسبب كونه أضعف مخلوق، والاستغلال قد يأتي من أقرب الأقرباء، كما قد يأتي من المشغِّل، أو من أي شخص أو عصابات إجرامية، وبذلك أضحى من واجب الدولة والبلديات التدخل على أكثر من مستوى :
أ) الحماية من الاستغلال في الشغل : بقراءة التاريخ يتبين أن الإسلام لما جاء واجهته ظواهر مستشرية، منها ظاهرة الغلمان والرقيق صور لاستغلال الأطفال. فلم يكن يملك سوى التعامل مع الواقع باحتراز وحكمة في أفق احتوائه. لكن إن اقتضت ظروف الطفل أن يشتغل، فيجب أن يتم برحمة وإشفاق على نعومته وليونة عوده؛ فالدين المعاملة، والإحسان يجب أن يكون في كل شيء.
والقوانين المقارنة حرصت على خفض المخاطر التي تعترض الطفل، لذلك نجد جلها يقلص ساعات العمل إلى الحد الذي لا يضره، ويمنَعُ تشغيله في أماكن وأعمال معينة تهدد صحته أو نفسيته وأخلاقه، ووعياً من اتفاقية 1989 بعدم فعالية القوانين الداخلية في الحد من ظاهرة تشغيل الأطفال، حضت على زيادة حمايتهم مما يتعرضون له من استغلال وإهانات، بالبلدان النامية بالخصوص.
ب) الحماية ضد الاعتداءات الجسدية والجنسية : الأطفال أكبر ضحايا العنف، وإذا كانت الاعتداءات الجسدية لاتبدو مزعجة في ثقافات تتسامح مع العنف لكون العنف جزءاً منها، فإنها غالباً ما تكون خطيرة، لما لها من عواقب على نفسية الطفل، والعنف يمارس على الطفل بالعالم الثالث من قبل الأسرة، المدرسة، المشغل، وعامة الناس.
وأخطر منه العنف الجنسي، لما له من عواقب نفسية واجتماعية قد تعصف بمستقبل الطفل كلية، هذا العنف بالذات في تزايد مستمر ـ لكن في صمت ـ بالنظر للتحولات التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، وما صاحبها من تفسخ خلقي ومن تشرد الأطفال، واستغلالهم للدعارة، وبسبب ما تمارسه وسائل الإعلام من انتهاك للآداب العامة وتحريض على الفساد. لهذا فالطفل في وضعية صعبة يحتاج لحماية خاصة في هذا المجال، ويحتاج لأجهزة تحميه وترفع عنه الحيف.
8. حق الطفل الجانح في إعادة تأهيله : حتى عهد قريب كان مصير الطفل الجانح العقاب والنبذ أي تعميق الجنوح في سلوكه، ومع البحث ثبت أنه من الظلم مساءلة شخص لا يتمتع بالإدراك والإرادة. آنذاك فقط بدأ الحديث عن وسائل أخرى لتقويمه. وفي الغرب كلَّفت ظاهرة الجنوح طوال القرن الثامن والتاسع عشر، أبحاثاً وموارد ضخمة لفهمها، مما أعطى ميلاد عدة مدارس. وانتهى المطاف إلى اعتبار الظروف الاجتماعية المسؤول الأول عن الجنوح واعتبار الانحراف مجرد مظهر لعدم القدرة على التكيف وتمردٍ من الحَدَث على الظلم الذي تجرعه. فحصل استقرار على أن الجانح مريض يحتاج للعلاج، وليس مجرما يستحق العقاب.
وإن ظاهرة الجنوح التي عانت منها الدول الغربية في القرن الماضي، انتقلت للبلدان النامية، صحبة التحولات الاقتصادية الاجتماعية وتنامي المدن بشكل غير مصحوب أو مسبوق بدراسات شاملة وتخطيط علمي. مع فرق كبير بينهما في مقدار الوعي بخطورة المشكل وطرق التصدي له.
إنما إذا كانت قوانين الدول الإسلامية تكرس جزءاً كبيراً من هذه الحماية، وكانت ظاهرة التهميش واللاتكيُّف لا تزيد إلا تفاحشاً، فمعناه أن فشل الحماية يعود لأسباب أخرى ربما غير تشريعية، فهل لنا أن نستشفها؟ ألا يبدو الامتداد العمراني غير الممنهج أحد أخطر عوامل تهميش الأطفال، ما دام التمدن، في غياب الدراسات والاستشراف يتحول إلى مصدر للمخاطر والسلبيات؟.

المبحث الثاني :  واقع الطفل في ظل التحولات الاجتماعية للعالم الإسلامي
نذكر بأن مظاهر اللاتكيف تختلف من طفل لآخر : إذ قد تأخذ شكل رفض للتمدرس أو حرمان منه، أو عنف أو تمرد أو انضمام لعصابة أو تعاطٍ للسموم، أو للدعارة.
ومعلوم أيضاً أن جل الدول العربية الإسلامية انخرطت في زمرة القوانين المعاصرة المنتصرة لحقوق الصغار، كما وَقَّعت على الأوفاق الدولية. بينما احتفظ البعض منها بالنظام الإسلامي المثالي الذي انتصر قبل غيره لحقوق الطفل. مما يؤكد أن المصدر الإسلامي حاضر إما بشكل مطلق أو نسبي.
فكيف إذن في بلاد تنتمي لأنظمة تصون الطفل وترعاه، تنتشر وتتنامى بإيقاع سريع ظواهر الأطفال المحرومين أو غير المندمجين؟ هل العيب في النظام القانوني أم العيب في الازدواجية أم في شيء آخر؟.
من أجل الوصول لجواب موضوعي ومقنع، يلزم استجلاء أسباب تزايد أفول الأطفال المحرومين :

نماذج  لحرمان الأطفال من حقوقهم :
حقيقة أنه من الصعب الإحاطة بحقائق المجتمعات العربية المسلمة كافة ووضع اليد على خصوصياتها. إنما تنوع المجتمعات لا يعني الاختلاف المطلق. فمهما تكن مظاهر التباين، هناك سمات مشتركة وظواهر تتكرر بجل المجتمعات، وعوامل هي في العمق نفسها أنَّى اختلفت الأعراض الخارجية.
فعدم التكيف ما هو إلا ظاهرة، عَرَض، والتوقف عنده يعني معالجة النتائج لا الأسباب. لهذا سنحاول إبراز أسباب التزايد المستمر لإعداد الأطفال المحرومين بالمدن العربية الإسلامية. وبما أننا عدَّدنا نماذج مختلفة للحرمان، فطبيعي أن أسباب اللاتكيف تختلف من نموذج لآخر. لذلك يلزم التوقف عند أهمها :
1. قصور البرامج الصحية وتداعياتها على الأطفال : لعل من أخطر هذه التداعيات وفاة الآباء وبقاء الأطفال بدون عائل أو بدون حاضن في مجتمعات افتقد فيها التكافل وتوارت صورة الأسرة الممتدة، باتجاه الأسرة النووية الضيقة، نتيجة للتحولات الاجتماعية العميقة، التي اقتضاها التحضر واتساع المدن، وما رافق ذلك من نزوح وضياع لمبادئ التواصل والتعارف بين أعضاء التجمعات السكانية.
والواقع أن اليتم ليس ظاهرة جديدة، إنما الجديد فيه انضمام عوامل حديثة لأخرى تقليدية والجديد في تداعياته بقاء جيوش من الأطفال بدون عائل أو حاضن أو اضطرارهم للإقامة في ملاجئ (إن وجدت).
فمن الأسباب التقليدية للوفاة اللصيقة بالتخلف والمقدور عليها إذا انتهجت سياسات أكثر حكمة : الحمل والوضع، الذي تموت بسببه ملايين النساء بالعالم الإسلامي. وفي هذا السياق يجدر التنبيه للرقم المهول الذي صاغته منظمة الصحة العالمية في السنوات الأخيرة، حيث يصل مؤشر الوفيات بسبب الحمل والوضع في العالم الثالث إلى 1600 من كل 100 ألف امرأة.
هذا إلى جانب عوامل أخرى استحدثت مع تبدل أنماط الإنتاج وتركز الساكنة في مدن لم تصمم بداية لاستقبال الأعداد الهائلة للنازحين، كالعيش في الأحياء الهامشية المفتقدة لأبسط الشروط الصحية، وما يترتب ضرورة عن ذلك من تفشي الأمراض المزمنة والمعدية. إضافة لعدم كفاية الطب، ضُعف البنيات الصحية، وما يقابل ذلك من جهل وأمية، انعدام الوعي الصحي، استمرار الاعتقاد في الخرافة والشعوذة، انتشار الطب الشعبي غير المقنَّن.
 
الجدول يبين بوضوح أن نسبة الأمية ما تزال متفشية بجل الأقطار العربية الإسلامية، خصوصاً لدى النساء، ومن خلاله تتبين مدى العلاقة بين الأمية وارتفاع نسبة الولادة في الأوساط غير المحظوظة، وإجراؤها على يد غير المؤهلين. وهي أرقام ذات دلالة وتكفي لتفسير ظاهرة ارتفاع نسبة وفيات النساء بسبب الحمل في الأقطار التي تعرف أكبر معدل لأمية النساء.
كما أن مؤشر الاستفادة من الخدمات الصحية يبين ضعف نسبة السكان القادرين على ولوج مؤسسات العلاج، وضعف البنيات التحتية في مجال الصحة بجل الأقطار. وليس صدفة أن الدول التي تعاني أكثر من الخصاص هي التي ينخفض فيها معدل الأعمار وتكثر فيها وفيات الأمهات في سن مبكرة. وتنتشر بها أمراض الأطفال وسوء التغذية، بكل ما يترتب عن ذلك من أوضاع صعبة تنعكس على واقع المدينة وعلى معدل النمو بالبلد.
2. استحكام الأمية وفشل برامج تعميم التمدرس : مما لاشك فيه أن الأمية تعد من أخطر عوامل اللاتكيف،  في عصر ثورة المعلومات. ومن المؤسف أن نعرف أن أمَّة الإسلام ـ وهي تشكل خمس البشرية وثلث العالم الثالث ـ التي تلقت أول خطاب إلهي في أمر >إقرأ<، تتموقع في مركز مقلق، إذ تعتبر الأقل تعليماً، فالأمية تتجاوز ال %80 بعدد من الأقطار.
ومعلوم أن معدلات الأمية تزيد عند المرأة والفتاة، من ثم يبين إلى أي حد ستعاني الدول الإسلامية، حاضراً ومستقبلاً، من مضاعفات الأمية، علما بأن أمية المرأة مربية النشء، أخطر من أمية الرجل.
الجدول  2 : ويبين نسب التمدرس، وعدد المتمدرسين ببعض الدول العربية الإسلامية، وهي نسبة ضئيلة بمقارنتها مع نسبة وأعداد الأطفال المحرومين من التمدرس (المصدر : البنك العالمي 1999) :
 
فنسبة التمدرس ما تزال منخفضة، والخطط المنتهجة حتى الآن لم تنجح في التقليص من الأمية بعديد من الأقطار، ولنأخذ مثالاً من الصومال، حيث محو الأمية عن الكبار لم يتجاوز %36 لدى الرجال و %14 لدى النساء؛ وحيث نسبة التسجيل بالابتدائي تنزل إلى %11 من الذكور و %6 من الإناث؛ ولا يتعدى عدد المسجلين بالإعدادي %9 ذكور و%5 إناث بالمقابل، في كولومبيا (وأخذنا على عاتقنا أن لا نقارن بالدول المتقدمة، وإنما فقط مع بعض البلدان النامية التي حققت خطوات تستحق التنويه) في كولومبيا سنة 1990 وصل محو الأمية عن الكبار %91 ونسبة التسجيل بالابتدائي إلى %88 ذكور و%87 إناث؛ وعدد المسجلين بالإعدادي  %65 ذكور و %70 إناث، ومع أن الأرقام تعود للتسعينات، فهي ما تزال ذات دلالة، من منطلق أن من سجل سبقاً في المراحل الأولى لمحاربة الأمية يسجل الآن سبقاً في جني الثمار.
إن الدول الإسلامية من أكثر الدول معاناة من الأمية، وبالتالي فتهميش الأطفال بسببها وارد بحدة، ويحق لنا أن نتساءل عن سبب عدم الامتثال لأمر >اقرأ<؟ وسبب تعثر السياسات والبرامج التعليمية والتربوية ؟ علما أنه أعلنت بجل الأقطار مخططات ضخمة كان هاجسها محاربة الأمية.
باستكناه الحقائق يبدو أن جل البرامج كانت مستوحاة أو مفروضة من قبل مراكز أو صناديق دولية أو أممية، الشيء الذي جعلها بعيدة عن واقع غالبية الدول، فانتهى بها الأمر للفشل في اجتثاث الأمية والجهل.
ومن ثم يحق لنا القول بأنه إذا كانت الأمية حاضرة بتلك النسب المفزعة، فلأن أي برنامج فعلي وواقعي وجريء لمحوها لم يتبع حتى الآن، وأن الرغبة في ذلك متعثرة، وبالتالي فالأمية ستبقى أحد أخطر أسباب الحرمان بالعالم الإسلامي، وبالتبعية يجب ألا تعلق الآمال على النصوص القانونية أو الاتفاقيات وحدهما، فهذه الأخيرة تضمن الحق في التعليم بشكل سلبي؛ لذلك يلزم دعمهما بالإرادة السياسية، بالإجبار، بالدعم المالي للأسر الفقيرة، بالالتفات أكثر للفئات الاجتماعية الأكثر تأثراً بالتداعيات السلبية للتمدن.
3.  الفقر سبب للحرمان (والجنوح) في مدن تفيض بالمباهج والمغريات : إذا كانت الدول الإسلامية المعاصرة من أكثر الدول معاناة من الفاقة، وإذا كانت تدين بدين يدعو لترويج الأموال والثروات، وتوزيعها بعدل، كي لا تبقى دُولة بين الأغنياء، فأين مكمن الخلل؟.
إننا نجد جزءاً من الجواب في تنامي الأحياء الهامشية كطوق من المخاطر يحيط بجل المدن الكبرى، إلى جانب تهميش البادية وما ترتب عنه من نزوح جماعي باتجاه مدن لم تهيأ  لاقتبال تلك الأفول من النازحين. فهذا كله زاد من تعميق مظاهر وتداعيات الفقر ورفع مقدار مخاطره المهددة للأمن وللتوازن الاجتماعيين.
 
في هذا الجدول وضعنا مقابلة بين نسبة النمو الديمغرافي  ومقدار الزيادة في الدخل ونسبة التضخم، وقابلناها بأرقام تحدد شريحة السكان الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، ولا يخفى أن جل العوامل المَرَضية التي  يعكسها الجدول تسهم إلى حد كبير في تضخم ظاهرة الأطفال المحرومين، ثم أوردنا على سبيل المقارنة بعض الدول النامية التي قامت بمجهودات رائدة لمحاربة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي لتهميش الأطفال، وليس غريباً أن بعضها، بفضل ذلك، خطا خطوات ثابتة تستحق الإكبار، كما هو حال كوريا الجنوبية.
4. تنامي ظاهرة التخلي عن الأطفال : إن عوامل ترك الأطفال والتشرد لا حصر لها وهي متداخلة فيما بينها، بمعنى أننا لو حاولنا تعدادها سنسقط حتما في فخ التكرار، لذلك وإضافة لما قيل، نذكّر بأخطر الأسباب الأخرى :
أ) الانحلال الخلقي : من نتائج انفتاح العالم العربي الإسلامي على الغرب أن حصل تلاقي بين الثقافات، لكن المؤسف أن هذا التلاقي لم يكن دائما مثمراً، بل أدى على العكس تماماً إلى تمزق كبير للقيم. فالحضارة الغربية وصلت لما وصلت إليه بتدرج، فيما نحن استلبنا بعديد من المظاهر فاستوردناها معتقدين أنها جوهر الحضارة، وانعكس كل ذلك على سلوكياتنا، إذ اتخذت الحقوق شكلاً فوضوياً ومُنحت الحرية  للشباب من دون تحسيسه بالمسؤولية ولا بالمخاطر المحدقة به، فيما كان من أبسط  قواعد التحرر أن ترافقه تربية صحيحة وقائية وتربية أخلاقية فيزيولوجية تحمي الفتاة بالخصوص، من الاستغلال والحمل المبكر بسبب سذاجتها أو ضعفها.
ضاعف من هذه الأخطار الامتداد العمراني غير الممنهج الذي كرس أكثر التباين الاجتماعي واستحكام الأمية والجهل والفقر وبالتالي الاستغلال بجميع أنواعه.

الجدول 4 : ويبين التزايد الملحوظ في أعداد الأطفال غير الشرعيين، من خلال أرقام أفادنا بها أحد مستشفيات الولادة بالرباط، المغرب :
 
وبالرجوع للأرقام الرسمية يتأكد أن جل الأمهات ضحايا الحمل من سفاح غير مُلِمَّات بأدنى فكرة عن التربية الصحية، إما لصغر سنهن أو بسبب الأمية والجهل، كما بينت الإحصائيات أن الآباء المفترضين للأطفال المتخلى عنهم هم في الغالب من غير المتمدرسين إطلاقاً أو ذوي مستوى دراسي متواضع.
الجدول  5 : ويرمز لارتباط الحمل من سفاح بالمستوى الثقافي والسن، ويثبت أنه كلما ارتقت ثقافة الفتاة، كلما قلت المخاطر التي تحدق بها، والنسبة المئوية أدناه احتُسبت من خلال عينة  شملتها الدراسة :
 
ب) التفكك الأسري : مما يؤسف له أنه مع الانفتاح على الثقافات الأجنبية لم نحتفظ بمقومات الاستقرار الأسري كما جاءت في الإسلام، ولا استوردنا ضوابط انفصام الزوجية كما هي مدونة في القوانين الغربية، فكانت النتيجة أنه عندما تفشل زيجات ما، فالذي يؤدي الثمن ليس الطرف المسؤول عن فشلها، وإنما الأطفال. ومع أن جل الدول العربية تقر بحق الطفل في الحضانة والنفقة في حالات الطلاق، إلا أن النصوص جُرِّدت من كل فعالية، فبات الطفل الضحية لا يتلقى في أفضل الحالات سوى مبالغ هزيلة جداً لاتكفي لسد الرمق، ناهيك عن حرمانه من العناية، من الدفء الأسري والاستقرار والمراقبة وتتبع دراسته.
وإذا كنا تحدثنا عن الدور المنتظر من الحكومات والبلديات للحد من ظاهرة تشرد الأطفال أو حمايتهم من اعتداءات الأسر، فأكبر عائق لقيامها بذلك هو صعوبة التعرف على ظروف الطفل داخل أسرة مغلقة، وإن ملايين الأطفال بالعالم يعانون من مشاكل كالتي ذكرنا، إنما قليلة هي الحالات التي تصل لعلم السلطات، بسبب عجز الطفل عن التعبير، من ثم فالوضع يحتاج  لوسائل وأجهزة مراقبة فعالة، للتعرف على أحواله وحمايته من ذويه، ويحتاج الأمر قبل ذلك لنظام فعال للمساعدة الاجتماعية، للإرادة السياسية وللحزم في تطبيق القوانين.
الجدول 6 : ويبين معدل حالات الزواج والطلاق في كل ألف من السكان، وهو يؤكد فرضية أن نسب الطلاق أصبحت مرتفعة، سيما بالمدن، في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها المجتمعات المسلمة، ويبين بالأرقام نسب الطلاق من كل ألف من الزيجات (المصدر : قاعدة بيانات شعبة التنمية الاجتماعية والسكان باللجنة الاقتصادية والاجتماعية  لغربي آسيا) :
 
إن الأرقام التي استشهدنا بها سالفاً حول الأطفال المتخلى عنهم، تصلح للاستدلال هنا أيضاً، نظراً لتعرض عدد هائل من >أطفال الطلاق< للتخلي عنهم وإيداعهم بالملاجئ (إن وجدت).
ونؤكد ما افترضناه سالفاً من أن التفكك الأسري يرتبط ارتباطاً مطرداً بالمستوى الثقافي والاجتماعي للأسرة،  والجدول أدناه يبين ارتفاع نسبة الطلاق لدى النساء الأقل تعليماً، وأنه كلما ارتفع مستواهن التعليمي كلما قلت مخاطر الطلاق،  وزادت ضمانات الاستقرار :
والأرقام ذاتها تفسر ظاهرة أخرى وتتمثل في تزايد مقلق لنسبة الأسر الأحادية الوالد، حيث المرأة تواجه بمفردها مشاكل أطفالها وتتحمل المسؤولية عنهم (ثلث المطلقات يعُُلْهُنََّ أطفالهن لوحدهن، وغالبهن بدون دخل قار، فقيرات أميات). وإذا أضفنا إلى ذلك أن نسبة الأمية تتزايد عند النساء، تبين إلى أي حد تنعكس الآثار الوخيمة  للطلاق (والأمية والجهل والفقر وانعدام العائل) على الأطفال. وهو الأمر الذي تفسره الأرقام التالية :
الجدول 7 : ويجري مقارنة بين دول المغرب العربي، حيث الأرقام تتشابه وتجمع للتعبير عن نفس الأعراض ونفس مسبباتها (المصادر متنوعة من بلدان الاتحاد، والترتيب تنازلي) :
 
الجدول 8 : ويبين أهم أسباب إيداع الأبناء في الملاجئ الخيرية، والأرقام حصلنا عليها من خلال عينة شملتها دراسة أشرفنا عليها (المصدر : جمعية العكاري الخيرية، مدينة الرباط، والأرقام برسم سنة 1998) :
الجدول 9 : ويبين المستوى الدراسي للوالدين المتنازلين عن أطفالهما  (نفس المصدر السابق) :
الملاحظ أن الأرقام تنازلية وتعكس بعمق مدى ارتباط التفكك الأسري بالمستوى التعليمي للزوجين، ومدى ارتباط ظاهرة التخلي عن الأطفال بالأمية والجهل بمقومات الحياة الزوجية وبالفقر. وإن نفس هذه النتائج تأكدت لنا من خلال استجوابات أجريت تحت إشرافنا مع الأطفال الذين يعنيهم الأمر، بحيث استطاعوا هم أنفسهم تحديد أسباب الطلاق وحصرها، والمؤسف أن يكون الصغار على وعي بها ولا يدركها الكبار، وقد صنفوها كالتالي :
ـ انعدام الثقافة والوعي
ـ انعدام الإحساس بالمسؤولية الزوجية
ـ الفقر الناتج عن ضعف الدخل
ـ ضعف المستوى المعيشي والتفاوت الاجتماعي والطبقي
ومن خلال استجواب آخر أجري مع >أطفال الطلاق<، تأكد لنا مرة أخرى مدى خطورة التفكك الأسري كسبب للانقطاع عن التمدرس، وقد لخص هؤلاء الأطفال أسباب مغادرتهم للمدرسة كالتالي :
عزوف الأب عن الإنفاق،
عدم قدرة الأم لوحدها على تحمل أعباء وتكاليف التمدرس،
انعدام الرقابة من الأب وانشغال الأم بالكسب،
احتياج الأسرة  للطفل، لكسب العيش،
الجهل والأمية وانعدام الوعي بضرورة وفائدة التعليم،
قضاء الطفل مجمل وقته بالشارع، إما للتسول أو مرافقة أصدقاء السوء،
الافتقار للدفء الأسري،
الافتقار لشخص يتابع الطفل في دراسته.
يتأكد مرة أخرى، مقدار ما يسببه تفكك الأسرة للطفل من أزمات نفسية واجتماعية، قد تنتهي به للتشرد أوالانحراف ثم الجنوح، وقد أثبتت عديد من الدراسات العلاقة الوطيدة بين الطلاق وجنوح الأحداث، واستنتجت أن الطلاق يقف عادة وراء جرائم النشل والسرقة والتسول والعنف وتعاطي المخدرات وترويجها، والدعارة، كما ثبت أن هؤلاء الأطفال عادة ما يكونون عرضة للاستغلال بجميع أشكاله، في ميدان العمل وغيره. وكثيراً ما يتلقفهم المتشردون والمتسولون، فيعلمونهم الجنوح والرذائل كلها.
5. الانعكسات الخطيرة للتشرد : باستقراء الواقع يتأكد أن جل المُقْترفين لأعمال مُعاقبة ينتمون للفئات غير الميسورة. ومع أن الفقر لم يكن أبداً مرادفاً للانحراف، إلا أن مظاهر الحرمان تتفاحش أكثر في الأوساط غير المحظوظة (الأحياء الهامشية بخاصة)، فتقود الطفلَ المحروم من الأسرة أو العائل أو الحاضن للجنوح. وهو أمر سهل الإثبات، فبمجرد إلقاء نظرة على لوائح الأحداث الذين يساقون يوميا للمحاكم يتبين أنهم يقترفون أفعالهم إما للحصول على القوت، أو لشغل فراغ رهيب يعانون منه في غياب المشرف والرقيب.
ومعلوم أن غالب القانون المقارن، ليثبت انتسابه للجيل الحديث، تبنى التدابير المتفق، عِلميا وقانونيا، على أنها أفضل حل لتصحيح سلوك الجانحين وإعادة تأهيلهم وإدماجهم. وهنا أيضاً ثبت إفلاس التدابير المتبناة، لعدة أسباب منها عدم انطلاقها من واقع المجتمعات التي ستطبق فيها، ومنها التركيز على معالجة النتائج لا الأسباب.
فأسباب التشرد كثيرة، على رأسها تفكك الأسر وتضاؤل التكافل الاجتماعي؛ أمية الوالدين وجهلهم بأصول التربية؛ عدم وعيهم بخطورة ترك الأطفال في الشارع؛ ارتفاع عدد أفراد الأسرة وضيق المسكن. ومنها إهمال الأسرة، وعموما انعدام العائل أو الحاضن؛ التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الدول النامية؛ النزوح؛ اللجوء.
ومع أن أزمة التشرد ليست حكراً على دول الجنوب، لايمكن إنكار أن حدتها وانعكاساتها تزيد بها، بسبب غياب الوعي بخطورتها، ضعف البنيات التحتية للعمل الاجتماعي الثقافي، بدءاً من دور الإيواء حتى مراكز الإصلاح وإعادة التأهيل والإدماج في المجتمع وضمان فرص الشغل، مروراً بمؤسسات الأنشطة الموازية.
6. ارتفاع نسب الإنجاب في الأوساط غير المحظوظة : لسنا نحتاج  لكثير تنقيب للتأكيد على أن الانفجار الديمغرافي يرتبط بالفقر والأمية وانتشار الخرافة والجهل بأبسط المعلومات عن الإنجاب وموانعه وأصول التربية السليمة. وللرمز للظاهرة يكفي التذكير بأن خطط تنظيم النسل شرعت في السبعينات لكنها لم تعط أية نتائج في الأوساط الأمية الفقيرة، بل إنها أعطت نتائج عكسية لما كان مأمولاً منها تماماً.

الجدول 10 : ويبين ارتفاع نسب النمو الديمغرافي ببعض الدول الإسلامية (المصدر هيأة الأمم المتحدة : 1997).
  
وإن جداول كثيرة اعتمدناها في دراسات عدة لنا أبرزت لنا بما لا مزيد على وضوحه أن نسبة الولادة تزداد في الدول والأوساط التي تعاني أكثر من الفقر، ويضعف فيها الدخل الفردي ويقل الإنفاق على الصحة والتعليم. والأرقام الواردة بالجداول تفسر أرقاماً أخرى أوردناها سالفاً حول ضعف نسبة التمدرس وارتفاع معدل الأمية لدى الكبار والصغار، بعدد من الدول العربية الإسلامية. وتبين المقارنة أن الدول النامية التي انتهجت سياسات رائدة لمحو الأمية استطاعت التصدي لعدد من الظواهر المرضية المتفرعة عنها، والتي تنعكس سلباً على الأطفال، ومن بينها تنظيماً لإنجاب في الأوساط المحرومة.
كما تأكد لنا من المتابعات الميدانية أيضاً أن الإنفاق على الدفاع والتسلح غالبا ما يتم على حساب الإنفاق على المجالات الاجتماعية الأساسية وعلى رأسها الصحة والتعليم. لذلك فلاعجب أن نجد الدول التي تنفق أكثر على التسلح، هي الأكثر معاناة من الأمية والجهل والمرض ووفيات وأمراض الأطفال وارتفاع نسب الإنجاب وتناسل الفقر وتنامي مؤشراته. وإن هذا يؤكد ما لم نسأم من تكراره من أن مناهج التعليم لا زالت قاصرة، وأن الاهتمام بها دون المستوى في بلداننا.
ما من شك في أن العوامل المتعددة  تتكاثف فيما بينها لتجعل ظروف العيش غاية في البؤس وتجعل الأسرة المفتقرة لكل شيء كثيرة الأفراد، فيعجز المَسْكن (المتواضع الصغير أو البئيس) عن استيعابهم جميعا، مما يضطر الأطفال للجوء إلى الشارع، حيث يجدون مرتعا للتسلية وقضاء الوقت الضائع، وما أكثره لديهم. ومع الأيام يتعود الطفل على الإقامة في الشارع، وبه يتعلم تعاطي المخدرات واحتراف الجريمة والتمرد على المجتمع، والانضمام للمنحرفين وإعلان إجرامه.
مؤلم أكثر تنامي ظاهرة الطفلات المشردات بعد أن كان التشرد حكراً على الذكور، وبديهي أن الخطر على الطفلة أكبر، لأنها بالنظر لأصول التربية المتبعة بجل المجتمعات المسلمة، تتربي مخلوقاً ضعيفاً، مما يجعلها مستعدة للاستسلام ومعرضة للانجذاب للرذيلة وبالتحديد للدعارة. علما أن الأبعاد لا تخصها وحدها، ما دامت معرضة في كل حين للحمل المبكر. وقد أثبتنا أن الحمل من سفاح من أخطر عوامل التخلي عن الأطفال وتهميشهم وتشردهم. كما بينا أعلاه أن نسبة الحمل من سفاح تزيد لدى الفتيات الصغيرات الأميات الجاهلات غير الملمات بأية أبجديات عن التربية الفيزيولوجية.
الجدول 11 : ويبين النسبة المئوية لحجم الأسرة بالمسكن الواحد. ومع أن بعض الأرقام قديمة فهي مازالت معبرة، لأن شرائح واسعة، سيما غير الميسورة، ما زالت تنكص عن استعمال موانع الحمل، وما زالت نسب التنامي الديمغرافي مرتفعة لذلك نستشهد بها للاستدلال على اكتظاظ المساكن بالأفراد، تأكيداً لما جاء في الجداول السالفة. (المصدر: قاعدة بيانات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، هيأة الأمم المتحدة) :
 
من خلال الجدول يتبين أن المسكن الواحد يضم عدداً مرتفعا من الأفراد، وأن الأسرة العربية المسلمة على العموم كثيرة الأنفار، وأن الأسر التي يزيد عددها على ثمانية(8) أفراد تشكل أكبر شريحة، مقارنة مع الأسر المتوسطة أو القليلة العدد. والجدول يعكس، من جهة أخرى، ارتفاع نسبة الولادات، وفشل برامج تنظيم الأسرة بسبب اصطدامه بالفهم العقدي والرفض الاجتماعي وانتشار الخرافة. ومن جهة أخرى فهو يفسر تضخم ظاهرة الأطفال المشردين، لأن المسكن يضيق عن احتضانهم، فيلجأون للشوارع، ليجعلوا منها مأوى يتعلمون فيه كافة أوجه الانحراف والجنوح.
7. النزوح والهجرة باتجاه المدن وآثارهما على الطفولة في المدينة : وهذا في واقع الأمر سبب ونتيجة لعدد من المؤشرات السابق  إثارتها. فظروف العيش المزرية ترتبط، من جهة أخرى، بمشاكل النزوح التي تعرفها، بتوسع، المجتمعات العربية المسلمة، ولسنا بحاجة لكثير تنقيب، للتأكيد على أن الدول النامية تتوحد في عدم اهتمامها بالقرى. مما اضطر سكان البوادي ــ بعد أن لم يجدوا حلاً آخر لتغيير نمط حياتهم ــ إلى الهجرة نحو المدن أو الخارج.
وفي غياب دراسات مستقبلية وآليات الاستشراف والافتقار لأدوات قياس الظواهر وارتقاب تناميها، وبسبب غياب سياسات تتصدى للظواهر الاجتماعية، غرقت المراكز الحضرية بالأحياء العشوائية، وتُرْجم ذلك إلى أزمة سكن خانقة وسكن غير لائق، إلى كثرة أفراد الأسرة، انخفاض الدخل، البطالة، عدم التمدرس، سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية، تلوث البيئة، الافتقاد لمقومات الحياة الكريمة، وبذلك تعمق الجهل والأمية وانتقلا بدون مشقة للأجيال الاحقة، حامليْن معهما كل عوامل التفكك الأسري والتهميش والتشرد فبقيت المجتمعات النامية تدور في نفس الحلقة المفرغة، حيث العوامل تتداخل فيما بينها وتتضخم وتتعقد، وصناع القرار لا يحسنون الربط بينها ولا تحديد أيها أسبق للوجود وأيها أفرز الثاني، وأيها أكثر أولوية وأكثر مدعاة للاستعجال.

الجدول 12 : وترمز الأرقام الواردة لظاهرة تضخم سكان الحواضر، مقارنة إلى سكان البوادي، بسبب ارتفاع الهجرة القروية، وأيضاً بسبب ارتفاع معدلات الولادة في الأحياء العشوائية. دون أن يعني ذلك نقصان وتيرة نمو سكان البادية، التي تتسع هي الأخرى بسبب الانفجار الديمغرافي الناتج عن استحكام ذات العوامل وأخطرها التهميش :
 
المؤسف أن ظاهرة النزوح مرشحة لأن تستمر، ووتيرتها معرضة للارتفاع، على الأقل في المستقبل القريب، وذلك بسبب استمرار البرامج التنموية، بجل الأقطار الإسلامية، في إهمال الريف. والنتيجة الحتمية، أن ظاهرة الهجرة القروية ستبقى أحد أخطر عوامل حرمان الأطفال من حقوقهم، وزيادة أفول الأطفال غير المندمجين، مستقبلا. ولعل هذا كاف للتنبيه إلى ضرورة الاعتناء بالبوادي وتجهيزها بالبنيات التحتية اللازمة، والاهتمام بمشاكل شبابها ومستقبلهم، حتى لا يضيعوا في زحمة البحث عنه في المدن، عبثا.
وأضحى من نفس الأولوية والإلحاح والخطورة تركيز الاهتمام على الأحياء الهامشية التي أضحت بؤراً  لكل ما يهدد الطفل ويحوله إلى مصدر للخطر على نفسه ومجتمعه. وأضحى من واجب الجماعات المحلية الإلتفات للمؤشرات الخطيرة التي أبرزنا جانبا منها، إن أرادت الجماعات المحلية أن تمارس مواطنتها على أحسن وجه.
طبيعي جداً إذن، أن يتمخض عن ظروف الحرمان المعددة مئات الآلاف من الأطفال المفتقرين لشروط العيش الكريم، المحرومين من حقوقهم الإنسانية التي تنادي بها الإعلانات والنصوص والمواثيق الوطنية والدولية. وطبيعي أن يتحول عدد من المدن العربية الإسلامية، سيما الكبرى، إلى بؤر للتشرد والجنوح والانحراف والفساد، في غياب الوعي بالخطورة التي تشكلها الظاهرة على مستقبل المدن والدول.
لا يبقى مجال  للشك في أن السلطات الوطنية كما المحلية (إدارات محلية وسلطات مركزية) مطالبة بدراسة أوضاع عدم الاستقرار واللاتكيف، واستجلاء أسبابها وضبط مواطن الخلل، في أفق احتوائها.
حقيقة أن الأمر يحتاج لجهود ووقت كاف لتثبيت الحقوق، إنما الشعوب تملك وسائل لاستكناه  حقائق الأمور تأكد مما إذا كانت المؤسسات قد قرَّرت فعلا وضع حد لسياسة اللامبالاة أم ليس بعد، وبمجرد أن يلمس المواطن مؤشرات صادقة فالشرط الأعظم من الثقة يكون قد توفر ولا يبقى إلا انتظار النتائج، والشعوب مستعدة لمنح مدبري الشأن العام ومسيري الشأن العام الوطني والمحلي الوقت الكافي.

المبحث الثالث : أية مدينة لأي أطفال في العالم العربي الإسلامي ؟
أو سبل الحد من تداعيات التمدن على حقوق الأطفال :
نادينا بضرورة التصدي للأسباب إن أردنا فعلا إيجاد حلول جذرية، لكن التركيز على معالجة الأسباب لا يعني إهمال جيوش الأطفال المحرومين الموجودين آنيا، وإرجاء النظر في قضاياهم إلى حين اجتثاث الأسباب. بل إن الإيمان بحقوق الطفل يقتضي ضمان ما يحتاجه الطفل المحروم وباستعجال، في انتظار احتواء الأسباب جذرياً.
وإذا كان الطفل غير السوي مرشّحا ليكون رجل مستقبل سيء، فمعناه أنه كلما كثر عدد الأطفال المحرومين، زادت مخاطر التخلف واستحكمت عوامله وانجلت على المستقبل الأبعد وارتدت أوضاع حقوق الإنسان في البلد. وهذا كاف لتبرير مطالبتنا بالإنفاق بسخاء على الطفولة. وسنحاول التوفيق بين التدابير الاستعجالية التي يجب اتخاذها للتكفل بأطفال يوجدون فعلا في وضعيات صعبة (1)، وبين تدابير يجب أن تسعى لوقف النزيف والتصدي للعوامل المنتجة لعدم تكيف الأطفال (2). هذا مع إيماننا بأن من دون إشراك كافة القطاعات المعنية، من قادة سياسيين ومدبري الشأن العام المحلي والوطني ووصولاً إلى مؤسسات البحث العلمي حتى المجتمع الأهلي، فلا يجب أن نمني أنفسنا بنتائج لن تتحقق :

بند أول :  التكفل الآني  والمستعجل بالأطفال المحرومين :
وضعية الأطفال المحرومين تقتضي الاستعجال، وكل دقيقة تأخير، تزيد تلقائيا من تكلفة العلاج، وفي بياننا لمجالات الإنفاق، سنركز على الأولويات الملحة، كالتالي :
أولا : رفع الميزانيات المخصصة للطفولة :
نفعية واستعجال الإنفاق على الطفولة المحرومة : الدول العربية الإسلامية تشكو من الضيق المادي والمديونية، فكيف تقتنع الحكومات والبلديات برفع إنفاقها على الطفولة المحرومة وعموما على المجالات الاجتماعية، التي تتطلب ميزانيات ضخمة؟
لعل أول مزية  للإنفاق على الطفولة أنه يوفر على الدولة والبلديات إنفاقات مستقبلية مضاعفة. فالطفولة اللامكتفية مرشحة لإنتاج مواطنين غير سليمين صحة، غير صالحين سلوكاًً وفكراً، لذلك فأفضل لها أن تنفق ميزانية على إدماج وتأهيل الأطفال من أن تصرف أضعافها على الأمن والعلاج وإعادة التأهيل والعقاب (وكلها قطاعات تشكل عبء تنوء بحمله أكثر البلدان غنى وتقدماً).
ونعاود الاستشهاد بالأرقام التي أوردناها سالفاً على سبيل المقارنة بين بعض الدول الإسلامية، ودول أخرى نامية أنفقت بسخاء على التعليم ومحو الأمية والصحة والطفولة، فكانت النتيجة أن انخفض تلقائيا معدل الأمية وارتفع الدخل القومي وقل عدد الفقراء، وبالتبعية لم تعد الدولة بحاجة للإنفاق المبالغ فيه على الأمن. وهذا يعكس أن الأمن يرتبط وجوداً وعدماً بوعي وتنوير الشعوب وتحسين أوضاعها الاجتماعية والتربوية والثقافية، لابكثرة الإنفاق على الميدان العسكري. ونكتفي بالإحالة على الأرقام في أماكنها بالجداول، وكلها ناطقة ومعبرة بوضوح.
نعتقد أن ظاهرة الأمية لن يقضى عليها إلا إذا اختطت الدول العربية الإسلامية نظام التعليم الإجباري، وأقيمت البنيات التحتية الضرورية والدعم المالي  للأسر وإلا إذا خصصت الجماعات المحلية قسطاً من وارداتها لهذه الغاية. وإلا إذا أرفق عدم الامتثال بعقوبات قد يكون من ضمنها مصادرة حق الأسرة في حضانة الطفل. نفس الشيء يقال عن الأنشطة الموازية والتكوين المهني. بحيث تلتزم الدولة والبلديات فوق ضمان الهياكل الضرورية، بالمراقبة الفعلية للمؤسسات.
من ثم لإصلاح الطفل غير المتكيف وإعادة تأهيله وإدماجه يجب ضمان حقه في التعليم وتوفيره له بوسائل عملية ملموسة وإيجابية. كما يلزم الاستعجال في فرض تعليمه وإعادة تأهيله، إنقاذاً له ولذريته.
ثانياً : ضمان التكفل بالأطفال المتخلى عنهم :
ويمكن استثمار أكثر من وسيلة، كإيجاد إدارات وجمعيات خيرية للوساطة بين الأطفال المتخلى عنهم، والأسر غير المنجبة الراغبة في التكفل، أما الأطفال الذين لا حظ لهم في أسرة بديلة فيعتبرون أبناء للدولة، حيث تلزم هي بالتكفل بهم وبضمان كافة حقوقهم المادية والمعنوية والتربوية، وهي مُطالبة بتشجيع العمل الخيري الجمعياتي لمساعدتها على تحمل أعباء الأطفال مادياً ومعنوياً. وهي ملزمة في هذا الخصوص بنشر وعي صحيح عن جدول العمل الخيري، وتوجيه أعمال الإحسان إلى المجال الاجتماعي ومجال الطفولة بالذات. وهي مطالبة أيضاً بإرساء دعائم الثقة المتبادلة بين مختلف القطاعات المعنية من جهة، وبينها وبين المواطنين، من جهة أخرى.
ثالثاً : دعوة المؤسسات غير الحكومية للمساهمة :
ما من شك في أن الحكومات في أمس الحاجة لمساعدات الهيئات والجمعيات المستقلة وتبرعات الميسورين من الأفراد والدول ونشاط المجتمع الأهلي. والواقع أن العمل الخيري موجود بغالب الأقطار الإسلامية، لكنه يعاني من عدة عراقيل، لذلك يحتاج بدوره لمساعدات وتوجيهات ودعم الحكومات والبلديات. ولإنجاح مهمته يلزم تنسيق عمله مع الأولويات الملحة التي تسطرها خطط التنمية. وغير خافٍ أن الثقة هي عماد نجاح أية مهمة، لذلك فنجاعة العمل الخيري رهينة باكتساب أو استعادة ثقة المواطنين فيه وتصحيح نظرتهم عنه.
من جهة أخرى يلزم برأينا توسيع مجالات اهتمام أعمال البر والإحسان، وعدم قصره على العبادات فحسب. بل لعل إشراكه في القضايا والملفات الاجتماعية أكثر إلحاحاً. فأعمال الإحسان هنا بالذات، تستطيع أن تشارك بفعالية إلى جانب جهود الحكومات والبلديات، لتسهيل مهمة التكفل بالأطفال وتربيتهم وتعليمهم، وحمايتهم من الشارع، بكل ما يحمله من مخاطر.
رابعاً : فرض إجبارية التعليم وتعليم البنات بالخصوص :
من اللازم برأينا تبني برامج جادة وعملاقة، بشأن محو الأمية عن الكبار. وموازاة معها يجب وباستعجال، تبني برامج أخرى لتعليم الأطفال الذين تجاوزوا سن التمدرس، عن طريق إدماجهم في مدارس خاصة لا تتقيد بمعايير التدريس التقليدية، كالسن والتوحد فيه بين تلامذة نفس الفصل.
ويجب في هذا الخصوص إرفاق خط التعليم بالبنيات التحتية اللازمة، ودعمه بتوعية الأسر، خصوصاً بالبوادي لحفز الناس على تعليم أبنائهم وبناتهم، مع تشجيع غير الميسورين ببعض الدعم المالي لمساعدتهم على تحمل أعباء التمدرس. ويمكن الاستعانة بالإجبار إن اقتضى الحال، وفرض عقوبات تطال الممتنعين عن تعليم أبنائهم. وهنا ينتظر من البلديات الشيء الكثير.
ومعلوم أن القرى بالدول العربية والإسلامية تعرف أكبر نسبة للأمية، كما أثبتنا بالأرقام. لذلك فالقضاء الشامل على الجهل والأمية لا يمكن تصوره إذا استمرينا في تجاهل العالم القروي، ولم نجعله في مقدمة أولوياتنا.
على ألا يتم الاهتمام بالقرى على حساب المدن. بل يلزم خلق تناسق وتوازن بينهما في إطار مخططات التنمية. ومعلوم أن للاهتمام بالقرى مزية أخرى، وهي تجنيب المدن مغبَّة الهجرة القروية. فسبب النزوح عادة هو البحث عن نمط أفضل للعيش وموارد إضافية. وعندما يصطدم النزوح الجماعي بغياب الخطط والدراسات المستقبلية، فإنه يؤدي، كما أثبتنا لنتائج كارثية، تترجم في نهاية المطاف إلى سكن عشوائي غير صحي، بكل ما يرافقه من حرمان للأطفال ومن تشرد وجنوح وانحراف. كما أنه يزيد من تضخيم وتعقيد أسباب الحرمان التقليدية الموجودة في المدن.
ولن نَمَلَّ من تكرار أن تعليم الفتاة أكثر إلحاحاً مما يُتَصور. لأنها مسؤولة، ليس عن نفسها فحسب، وإنما أيضاً عن تسيير أسرتها وتربية ذريتها. فكيف يمكنها تربية نشء سليم وتجنيبه مخاطر التهميش، والجنوح، وهي لاتملك مقومات التنشئة السليمة.
ما يقال عن التعليم يصدق على الأنشطة الموازية التثقيفية وعن التكوين المهني والصحة والتكفل بالمعوقين، لمساعدة كل فئات الأطفال المحرومين على تخطي أسباب الحرمان أو الإعاقة، التي تقودهم لعدم التكيف وتنتهي بإعداد منهم للانحراف.
ونذكِّر هنا ثانية بأن تركيز الإنفاق على التربية والتعليم والتثقيف والصحة والتوعية، يعتبر أكثر جدوى ونفعية وأقل تكلفة من الإنفاق على المجالات التي تتكفل بالطفل بعد تشرده وانحرافه. ذلك أن الإنفاق الأول يحمل في طيه الوقاية وبالتالي فهو يضمن ــ بشكل إيجابي ــ للطفل حقه في التربية والتعليم، ويوفر مواطنين صالحين. أما الإنفاق على مراكز إعادة التربية وإعادة التأهيل، فمجرد علاج قد ينفع وقد لا يجدي. خصوصاً وأنه مشروط بعدة مقومات أخرى، منها إعادة إدماج الطفل في المجتمع، وهو نادراً ما يتحقق في الأقطار الإسلامية والعربية، لعدة أسباب، من بينها عدم التنسيق بين الإدارات والقطاعات المختلفة، وعدم وعي المجتمعات بمشاكل الطفل الجانح ومعاناته.
كما نذكر بأن للإدارات المحلية دور هام وخطير في هذا المجال، فهي التي تنجح وتحكم بالفشل على أي برنامج حكومي. وهي تملك حاليا من الصلاحيات ما يؤهلها لتحمل مسؤوليات وأدوار هامة جداً.

بند ثان :  تدابير للتصدي لأسباب التهميش
علاج الأعراض يهدف لمعالجة أوضاع موجودة. فيما الأنسب هو تفادي حصول العرض، أي الوقاية واجتثاث العوامل المؤدية للاتكيف والجنوح من جذورها. ولضيق المجال نختزل هذه التدابير في التالي :
أولا : التصدي للمخاطر التي تتهدد الطفل غير المتكيف :
تُجمع الدراسات الاجتماعية المنجزة في ظل المنظمات الدولية المكلفة بالطفولة، على أن نوعاً جديداً من الاسترقاق شاع في العالم بأسره. والجديد فيه أنه لا يأخذ شكلاً محدداً واضح المعالم يمكن من خلاله التعرف على وجوده أو انعدامه، بل يأخذ أشكالاً مختلفة يصعب حصرها والتصدي لها، ويرجع السبب إلى كونه غير معلن عنه، ويمارس عادة في الخفاء وتحت عدة أسماء وألوان. الشيء الذي يحول دون إعطاء أية أرقام عن استرقاق الأطفال في العالم. وإن كانت عديد من المؤشرات وبعض الأرقام تفصح عن الوجود الفعلي لواقع مرير يعيشه الأطفال البؤساء، ليس في العالم الثالث فحسب وإنما أيضاً بعديد من الدول المتقدمة. بل لعل أكبر مستفيد من استرقاق الصغار هي الدول الأخيرة.
وقد بينت الأبحاث أن الأطفال المستعبدين يخضعون لعدة ممارسات غير إنسانية، لخصتها دراسة أعدتها هيأة الأمم المتحدة سنة في :
ـ الرق التقليدي 
ـ تشغيلهم وإخضاعهم لأعمال عنيفة تفوق طاقاتهم
ـ استغلالهم للبغاء والزنى والصور الخليعة.
ـ استعمال الأطفال في النزاعات المسلحة.
ـ تهريب الأطفال
ـ بيع الأطفال
ـ المتاجرة في الأعضاء(7)
ـ إخضاعهم لنظم الميز العنصري.
وهذه الظواهر تعتبر في الواقع أعراض وأسباب في نفس الآن. والقضاء عليها له آثار مزدوجة، من بينها حماية الأطفال الذين يتعرضون فعلا لهذه الممارسات، ثم التصدي لشبكات تقتنص الأطفال وتمارس عليهم كافة أنواع الاستغلال.
ثانياً : حماية الأطفال في حالات الخلافات العائلية :
الطلاق أبغض المباحات، لذلك حرص الشرع على التضييق من اللجوء إليه :
والمؤسف أن الأصول والتدابير الوقائية التي أقامها الشرع نادراً ما توظف. مما يفسر ارتفاع وتيرة الطلاق بعدد من الأقطار الإسلامية، كما أثبتنا بالأرقام. كما أن العناية الخاصة التي شمل بها الشرع الأطفال في حالة النزاع أو الفرقة أيضاً لا يكترث بها لهذا فالنصوص بحاجة للبعث والتفعيل لمنع انهيار الأُسَرِ، والوسائل كثيرة منها :
ـ نشر تربية سليمة عن الزواج وأهدافه وشروط نجاحه وتعريف كلا الزوجين بحقوقه، كقبل ذلك بحدود حريته، وبواجباته حيال أسرته وعياله. ولهذه الغاية يلزم تفعيل كافة الشركاء بما في ذلك الجماعات المحلية.
ـ إقامة مراكز لتوجيه الأسرة يكون دورها مساعدة الزوجين على تجاوز المشاكل التي تعترضهما.
إنشاء مجالس عائلية لتقديم المشورة  للقاضي في أمور الأسرة.
ـ جعل الصلح القضائي والاستعانة بمجلس العائلة مساطر إجبارية قبل الإذن بالطلاق أو التعدد. وليس في ذلك مايعارض مقاصد الشرع. علما بأنه أحرص من أية شريعة أخرى على ضمان استقرار الأسر وصون الأطفال من الضياع. لكن شريطة ألا يتحول تدخل القضاء إلى عرقلة تمنع انفصام الزيجات الفاشلة إذا تعذر إنقاذها(8).
ـ تحميل الزوج الراغب في الطلاق بدون مبرِّر أو في التعدد بأداءات مادية قد تثنيه عن تهوره وتتفادى تشريد الأطفال.
ثالثاً : ضمان نفقة أطفال الخلافات الزوجية :
المؤسف أنه في ظل أرحم شريعة بالصغار، يُحرَم >أطفال الطلاق< من أبسط حقوقهم، فيُبطل بذلك، ليس مفعول القوانين فحسب وإنما أيضا، أحكام شرعية تدعو بتكرار للالتزام بالنفقة وتنهى عن حرمان من تحت الكفالة من قوته. حتى اعتُبر الحرمان من النفقة من أكثر الآثام : >كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول<. وأحكام أخرى تجعل من الحضانة والرعاية وحسن التربية والتعليم تكاليف وواجبات لا يتخلص منها المرء إلا إذا قام بها على أحسن وجه.
فالحاجة هنا أيضاً ماسة لتفعيل النصوص وإرفاق احترامها بالزجر. ومنع خِلافِ الزوجين من أن ينعكس على الأطفال فيما يخص الحضانة أو النفقة أو الاستقرار والتربية والتعليم. ونذكّر بأن عددا هائلا من الأطفال شرِّدوا ويشردون يوميا بسبب انفصام الزوجية، وبسبب امتناع العائل على الإنفاق، كما أثبتنا بالأرقام. ونذكّر أيضاً بأنه يلزم إعادة النظر في طريقة تقدير النفقة، لملاءمتها مع مستويات الأسعار، لأن الأبحاث بينت أن >أطفال الطلاق< لا ينالون إلا نزراً قليلاً لا يكفي لسد الرمق، مما يرمي بعدد هائل منهم في أحضان الرذيلة، وأن عدداً هائلا منهم انتهى به الأمر للانحراف والجنوح.
رابعاً : ضبط هوية الأطفال غير الشرعيين بما يحمي كرامتهم :
قد لا تنفع الوسائل الوقائية في اجتثاث ظاهرة الأطفال غير الشرعيين. لذا يجب التعامل معها بحذر وإنسانية وجرأة. ولضمان عدم اختلاط الأنساب نحبِّذ أن يقيَّد بسجل الحالة المدنية، إلى جانب الاسم العائلي المفترض، إما الاسم الشخصي الحقيقي لوالدي الطفل إن عُرفا أو من عرف منهما. ولحمايته من الحرج، يمكن تقييد أسماء مفترضة للمجهول من والديه. ولنفس الغاية وحفظا لكرامته، نحبذ إحداث سجل خاص، شرط أن يكون غاية في السرية، تدَوَّن فيه حقيقة الطفل، وكل الوقائع والمعلومات المتعلقة بالظروف التي عثر عليه فيها (كتحديد مكان اللقطة، العلامات الدالة... ) فمثل هذه المعلومات قد تسهل مستقبلاً، جمع شمله بأسرته الحقيقية.
خامسا : تعامل أفضل مع الأحداث الجانحين :
أكثر الجرائم المقترفة من الأطفال تهدف عادة لسد الرمق أو لشغل الوقت الضائع أو لتقليد ما يراه الطفل طوال اليوم في الشارع الذي اتخذ منه مأوى له. وإن الزجَّ بالأطفال في السجن مع الكبار ظلم كبير وحل عقيم. بل لا يفعل أكثر من تسهيل تعلُّمهم تقنيات الجريمة المحكمة وإتقانها أكثر، واحترافها. لذلك يبدو جدّا مستعجلا إعادة النظر في التدابير العقابية والوقائية. وغير خاف أن مؤسسات إعادة التأهيل تعاني من عراقيل جمة. مما يعرقل قيامها بالدور المنتظر منها، ومن هنا يظهر الدعم الذي يمكن أن تقدمه الجماعات المحلية.
على أن إدماج الحدث المعاد تأهيله، لايمكن أن يتم إذا لم توفَّر له وسائل للعيش تغنيه عن الارتزاق من الجريمة. لذلك يلزم توفير مناصب للشغل للأحداث ذوي السوابق، بعد مغادرتهم مؤسسات إعادة التربية والتأهيل، وتتبع حالاتهم والأخذ بيدهم إلى أن يجتازوا مرحلة الخطر، ومساعدتهم على العثور على الشغل وتحقيق استقرار أسري. فقد ثبت بالدليل أنه إذا انحرف الحدث وأودع السجن أو الإصلاحية، ثم أعيد لنفس وسطه، دون أن يدمج في مجتمعه، فإنه لايلبث أن يتمرد على المجتمع الذي رفضه وظلمه. بالتالي يتعذر عليه التكيف مع نواميسه، مما يحوله إلى محترف للجريمة لا ينفع معه علاج. هنا أيضا مساعدة الإدارة المحلية والقطاع غير الحكومي والمجتمع الأهلي شيء ضروري ويخفف العبء عن الحكومات.
سادساً : التصدي بحزم أكبر لظاهرة المخدرات :
تكرر سالفاً أن أكبر خطر يتهدد الأطفال المحرومين هو الانحراف، والانحراف يقترن في جل الحالات بتعاطي المخدرات. لذلك يصعب اجتثاث الظاهرتين معا بالاقتصار على حل مشاكل الحرمان السالفة، بل يلزم التصدي لأحد أسباب الحرمان وأحد عوامل تعقيده أو أحد عواقبه، وهو انتشار المخدرات واستهلاكها من قبل الشباب وعدم توفر مراكز اجتماعية ثقافية أو رياضية يقضي فيها الطفل وقته الثالث. وهذا من صميم اختصاص الجماعات المحلية في تعاونها مع السلطات المركزية القيمة على دُور الشباب والتأهيل.

خاتمة :
حرصنا على معالجة الموضوع بشكل شمولي رغم كونه موجها ليس للحكومات (واضعة الاستراتيجيات والتشريعات). دافعنا لذلك أن الجماعات المحلية أضحت طرفا فاًعلاً يملك صلاحيات تؤهله لتحمل مسؤوليات متشابكة وتحقيق الاستراتيجيات الحكومية.
وإننا لم ننشُد من خلال هذه المداخلة المقتضبة الإحاطة بكافة مشاكل الأطفال المحرومين. وذلك بكل بساطة لأن الموضوع متشعب وأسبابه متشابكة متداخلة، مما يستدعي دراسات من تخصصات مختلفة لاستكناه كافة الأسباب والمعوقات التي تحرم الطفل من حياة طبيعية؛ ويستدعي بالضرورة إرفاق كل ذلك بدراسات ميدانية مشفوعة بأرقام واقعية من أعداد الأطفال الموجودين في وضعيات صعبة والحلول الملائمة لكل فئة.
لذلك ندعو لإنشاء لجان أو هيآت متعددة الاختصاصات، على مستوى كل دولة وأيضاً على المستوى المحلي لتدارس قضايا الأطفال. وهذا برأينا أيسر سبيل لتوحيد النظرة والخروج بحلول شمولية.
وإن المواثيق والإعلانات الدولية بشأن حقوق الطفل لا يمكن أن تعطي ثمارها إذا لم ترافقها النيات الحسنة والإرادة الأكيدة لكل الفاعلين، وضمنهم أساساً الجماعات المحلية، في حل مشاكل الأطفال. أما إذا كان قَدَرُ النصوص والبرامج والخطط الحكومية أن تظل مجرد حروف ميتة كما هو الشأن حالياًً، فلا مزية من صياغتها أصلاً.
ومعنى هذا أنه إذا لم يخلق تعاون فَعَّال بين صانعي البرامج وصائغي النصوص، وباقي الميادين العلمية والثقافية والاجتماعية وكل الفاعلين والمسؤولين، فلا يجب أن نمني أنفسنا بنجاح مستحيل.
ونعيد التأكيد على أنه لا يجدي نفعاً الوقوف عند مرحلة اكتناز النصوص وتزيين لوائح حقوق الإنسان بأطول عدد ممكن من الحقوق والامتيازات المعترف بها ـ نظريا ـ للأطفال. بل يلزم التفكير في وسائل تفعيل النصوص ورصد الإمكانيات المادية والتقنية واللوجستية اللازمة لتمكين الأطفال من حقوقهم فعلاً.
إن هذا ما فرض علينا معالجة الموضوع بشمولية، ليقيننا الجازم بأن المشكل متشعب ويهم مجالات البحث جميعها، ويتطلب تجنيداً من عدد هام من الوزارات والقطاعات ومن الإدارات المحلية. ويتطلب تعاوناً مثمراً ومثالياً بين القطاعات الحكومية وغير الحكومية، بين مجال البحث العلمي النظري، والمجتمع المدني الأهلي. ويتطلب تبادل الخبرات بين الدول الإسلامية المختلفة، ويتطلب حواراً إيجابياً وفعالاً بين الحضارات المختلفة وبين مصادر التشريع المتنوعة، من أجل الاستفادة من التجارة الإيجابية للدول التي نجحت في الحد من ظاهرة تشرد وتهميش الأطفال، وحققت أقصى ما يمكن من الحماية لحقوق الأطفال، رجال الغد وأمل المستقبل.
أكيد أن نظم التمثيل الجماعي تختلف من بلد عربي لآخر، لذلك لا يمكن بيان القسط الذي تستطيع الإدارة المحلية أن تسهم به في إصلاح أوضاع الطفولة. لكن مهما كانت درجات الاختلاف، ومهما تقلصت صلاحيات الإدارة المحلية، فهي تستطيع أن تساهم بقسط لا يستهان به في تخفيف آلام الطفولة.


(*) أستاذة القانون، جامعة محمد الخامس، الرباط ـ المملكة المغربية.
(1)  مثل التصريح العالمي لحقوق الطفل في 20 نوفمبر1959، الذي مافتىء أن أبان عن عدم كفايته، مما استعجل صياغة اتفاقية حقوق الطفل في 20 نوفمبر1989، ثم تخللتهما وتلتهما اتفاقات جزئية تهم جوانب خاصة من حقوقه، منها إعلان حق الطفل المعاق 1969، تصريح نيويوك 20 دجنبر 1971 بشأن حقوق المعاق ذهنيا، ثم تُوِّج كل ذلك بجعل سنة 1981 سنة للمعاق، كما صدرت اتفاقية لاهاي في 29 ماي 1993 بشأن حقوق الطفل المُتَبنَّى.
لكل توسع يراجع كتابنا عن : الأطفال المهمشون :  قضاياهم وحقوقهم. وقد أعد لفائدة المنظمة الإسلامية للرتبية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكوـ 1999.
(2) سورة الحجرات، الآية 11.
(3) سورة الأحزاب، الآية 5.
(4) سورة البقرة، الآية 256.
(5)  سورة الأحزاب، الآية 5.
(6) سورة عبس، الآية 1.
(7)  لمزيد من اللاطلاع وللإثبات يراجع كتابنا حول " نقل وزرع الأعضاء: دراسة قانونية": مطبعة بابل، 2002.
(8) فمعلوم أن إجراءات الطلاق القضائي أصبحت طويلة جداً بعديد من الدول الأوروبية. حتى أن مشروع الانفصام قد يدون لعشر سنوات أو أكثر، تتحول إلى جحيم. وبذلك أضحى تدخل القضاء في أمور الأسرة عرقلة كبرى ذهبت بالمقصود منه، مما زاد من تفاحش الزنى والمخادنات. فحري بنا الاعتبار.

http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/TIFL/p8.htm


لا تنسى أن تعطي رأيك باضافة تعليق لأن رأيك مهم