كــتــاب الــزواج في مدونة الأسرة المغربية

jeudi 23 mai 2013 |

تـقـديــم:
بعد استقلال المغرب، صدرت مدونة الأحوال الشخصية سنة 1957 تجمع عدة أحكام مؤصلة في مذهب الإمام المالكي بإشراف لجنة من العلماء، وبعد مضي مدة من الزمن ظهرت الحاجة إلى تجديد هذه المدونة،فتم تعيين لجنة خاصة سنة 1993 لإعادة النظر في مدونة الأحوال الشخصية ،فظهرت بذلك بعض التعديلات .لكن الإشارة القوية بتعميق الإصلاحات بهيكل قانون الأسرة إنما جاءت في خطاب ملكي بتاريخ 10 أكتوبر 2003 1

وقد استند عمل اللجنة الملكية على مقاصد الإسلام في تكريم الإنسان.والى العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف، ووحدة المذهب المالكي، والاجتهاد واعتبارا لكل فئة من المجتمع المغربي .


ولقد اختار جلالته منهاج التشارك والحكمة وجمع الرأي ،إذ جاءت مدونة الأسرة بتوجهات ومبادئ جعلت مسؤولية الأسرة تحت رعاية الزوجين 2 ( المادة 51 ) وجعل الولاية حق للمرأة الراشدة ( م 24 ) وتوحيد سن الأهلية في 18 سنة ،ومساواة البنت والولد المحضونين في بلوغ سن 15 سنة لاختيار الحاضن (م 19) وتقيد التعدد وفق شروط شرعية ،تقيد ممارسة تعسفية للرجل في الطلاق بضوابط وتحت مراقبة القضاء، وإقرار مسطرة جديدة للطلاق تستوجب الإذن المسبق من طرف المحكمة، وعدم تسجيله إلا بعد دفع المبالغ المستحقة للزوجة وللأطفال على الزوج .

هذه الإصلاحات الجوهرية ،وغيرها،تستند إلى رفع الحيف الذي تظلمت منه المرأة طيلة عقود،والمرتبط أساسا بمسار تطور الأسرة المغربية .

غير أنه بدخول هذه المدونة حيز التطبيق، ظهرت عدة إشكالات سواء على المستوى القضائي، أو الواقعي، خصوصا فيما يتعلق بالتكيف القانوني.والآثار المرتبطة به. وإشكالية معاشرة الخاطب لخطيبته ونسبة الابن له، بالإضافة إلى مسألة التعويض عن الخطبة، وكذا الإشكالات المطروحة في مجال الزواج، خصوصا الزواج غير الصحيح ( الباطل والفاسد ).أما على مستوى النسب أو الإرث وحكم الصداق في ذلك والفسخ، والتعدد والإشكالات التي يطرحها .



وعلى ضوء هذه الإشكالات المطروحة أمامنا حاولنا دراسة كتاب الزواج في إطار فصلين، في الفصل الأول حاولنا التطرق للأحكام العامة للخطبة والإشكالات المرتبطة بمسائلها .

أما شروط حصة الزواج والإشكالات المرتبطة به، فحاولنا التطرق لها في فصل ثاني .
 
تـــصــمــيــم:
الفصل الأول:الأحكام العامة للخطبة والإشكالات المرتبطة بمسائلها .

v المبحث الأول :الخطبة وآثارها

المطلب الأول : تعريف الخطبة وتكيفها القانوني

المطلب الثاني : الآثار المترتبة عن هذا التكيف

أ – موقف الشرع والتشريع الوضعي الجديد من مسألة خلو الخاطب بالمخطوبة

ب – موقف المجلس الأعلى في هذه المسألة

v المبحث الثاني : الشروط والآثار المترتبة على انقضاء الخطبة في شتى المسائل

المطلب الأول : شروط الخطبة وأحكامها الشرعية .

المطلب الثاني : انقضاء الخطبة من غير زواج ومشاكله القانونية .

أ‌ - بخصوص مسألة الصداق والهدايا ومصيرها .

ب‌ - التعويض في حالة العدول عن الخطبة

الفصل الثاني:إنشاء الزواج في مدونة الأسرة المغربية

v المبحث الأول : شروط صحة الزواج واشكالياته

المطلب الأول : : شروط صحة الزواج .

أ - الأصل والاستثناء

ب - الولاية في الزواج

المطلب الثاني : الإشكالات المطروحة في عقد الزواج

أ - أثار الزواج غير الصحيح

ب - مسألة تعدد الزوجات بين قانون الأحوال الشخصية ومدونة الأسرة

v المبحث الثاني :الحالات الاستثنائية لإثبات الزواج وإشكالاتها

المطلب الأول : الظرف القاهر كاستثناء في إثبات الزواج

المطلب الثاني : زواج المغاربة المقيمين بالخارج .

v خـــــــــاتمة


الفصل الأول : الأحكام العامة للخطبة ، والإشكالات المرتبطة بمسائلها :

يعتبر عقد الزواج من أهم العقود المدنية، وأعظمها شأنا وأبعدها أثرا في حياة الفرد وفي بناء المجتمع، بالإضافة إلى انه عقد قلما يقدم عليه الشخص ذكرا كان أو أنثى أكثر من مرة طوال حياته .

وأهمية هذا العقد تكمن في اهتمام الشارع الإسلامي به ، والمشرع الوضعي المستعين به ، ذلك بأن وضع لهذا العقد مقدمات تمهد له ، وخص تلك المقدمات بأحكام شرعية تخصها ، والمعنى المقصود من هذه المقدمات يريد به الخطبة التي تسبق إبرام عقد الزواج وتمهد له، مقدمة تتمثل وضيفتها في بحث الرجل عن المرأة التي تناسبه وبحث المرأة عن الرجل الذي يناسبها 2 . على أن الخطبة ليست لازمة لعقد الزواج إذ من الممكن تصور هذا الأخير بدونها 3.

ونظرا لهذه الأهمية نظم المشرع المغربي أسوة بالتشريعات العربية المختلفة أحكام الخطبة وآثارها في المواد من 5 إلى 9 من مدونة الأسرة إضافة إلى المادة 156 منها والتي جاءت ضمن الباب الذي خصصه المشرع للنسب وكيفية إثباته، وبالتالي فالسؤال الفريد الذي يطرح نفسه في هذا الفصل موضوع الدراسة هو على الشكل التالي: ما هي الأحكام الكلية العامة التي جاءت في المواد السابقة الذكر ؟.سؤال لا يمكن الإجابة عنه إلا وفق تصميم ثنائي اخترناه لتبيان هذه الأحكام بالتفصيل المرغوب، مما يتأتى معه رصد أهم الإشكالات التي تبرزها هذه الأحكام في الشأن الخاص بالخطبة .

وعليه سنتطرق في بادئ البدئ للتكييف القانوني المترتب عن تعريف الخطبة وآثار هذا التكيف ( مبحث I) ثم سنواصل تبيان أحكام هذا الشأن من خلال إبراز شروطه وآثار انقضاءه واهم إشكاليات آثار هذا الانقضاء ( المبحث II ).

المبحث I : تعريف الخطبة وآثارها :

في هذا المبحث سنتطرق إلى تعريف الخطبة وتكييفها القانوني ( مطلب 1) ، لإبراز الآثار المترتبة عن هذا التكييف في عدة مسائل تخص أطراف علاقة الخطبة ( المطلب 2 ) .

المطلب 1 : تعريف الخطبة وتكييفها القانوني :

الخطبة هي طلب الرجل التزوج من امرأة معينة لا يحرم عليه الشرع أن يتزوجها. وبعبارة أخرى هي إعلان الرجل عن رغبته في الزواج من امرأة خالية من الموانع الشرعية بالنسبة إليه، فإذا قوبلت هذه الرغبة بقبول المرأة، أو ممن له صفة شرعية في النيابة عنها، تمت الخطبة بينهما. وإذا تمت الخطبة بين رجل وامرأة، فإنها لا تعدو أن تكون وعدا متبادلا ومتقابلا ومترادفا بينهما على عقد زواجهما المستقبلي، دون أن يكون ذلك التواعد ملزما، فحسب الفقرة الأولى من المادة الخامسة من مدونة الأسرة :

<< الخطبة تواعد رجل وامرأة على الزواج >> .

ومن الناحية التي استند عليها المشرع في إقرار عدم إلزامية الوعد بالزواج أي المذاهب الإسلامية وبأكملها أجمعت على أن الخطبة وعد بالزواج غير ملزم. والوعد بالعقد ليست له قوة العقد إطلاقا في إلزام طرفيه آثار العقد  4 فالفترة الفاصلة بين التعبير من التواعد بالزواج والإشهاد عليه ، تعتبر فترة خطبة ولا تلزم الطرفين ولا تنشأ أية آثار ، حيث يمكن العدول عن الخطبة من شاء 5 ولما كان المشرع المغربي قد كيف الخطبة بأنها تواعد بالزواج وليست بزواج ، ويدخل في حكمها قراءة الفاتحة وما جرت به العادة والعرف من تبادل للهدايا . وهكذا نصت المادة الخامسة من مدونة الأسرة على انه " ] تتحقق الخطبة بتعبير طرفيها بأي وسيلة متعارف عليها تفيد التواعد على الزواج ، ويدخل في حكمها قراءة الفاتحة وما جرت به العادة والعرف من تبادل للهدايا [ 6 على أن الخطبة غالبا ما تتم شفويا ، كما انه ليس هنالك ما يمنع شرعا أو قانونا كتابتها ، وهذا يستفاد ضمن من القراءة المتأنية للفقرة الثانية من المادة السالفة الذكر من المدونة الجديدة للأسرة .

وبالتالي فان التكييف القانوني والشرعي للخطبة كوعد بالزواج لا يكتسب الطبيعة الإلزامية بالتزوج حتى وان جاءت الخطبة في شكل مكتوب ، مما يعني أن له آثارا خاصة في حالة خلو الخاطب بالمخطوبة ومعاشرته لها ، وفيما إذا نتج عن هذه المعاشرة حمل غير شرعي ، وبالتالي كيف عالج المشرع على ضوء المدونة الجديدة هذه الحالة؟ وما هو موقف المجلس الأعلى من هذا الحمل الناتج أثناء فترة الخطبة ؟

بمعنى هل للمجلس الأعلى من موقف ايجابي يتجلى بنسبة الولد الناتج عن حمل غير شرعي أثناء فترة الخطبة ، أم موقفه سلبي بالمقارنة مع المقتضيات القانونية التي تطرقت لهذا الموضوع ؟

المطلب 2: الآثار المترتبة عن هذا التكييف :

هذه الآثار تنص على مدى شرعية خلو الخاطب بالمخطوبة ومعاشرته لها ، بل واتصاله بها جنسيا ، اتصال نتج عنه مولود . كيف عالج المشرع من خلال المواد 5 و 156 هذه المسألة من مدونة الأسرة بالمقارنة مع التنظيم السابق للأحوال الشخصية ؟( أ ) ، وكيف يمكن تقييم طبيعة موقف المجلس الأعلى بخصوصها؟ ( ب ).

أ – موقف الشرع والتشريع الوضعي الجديد من مسالة خلو الخاطب بالمخطوبة :

من المعلوم ، الواضح في الشرع أن خلو الخاطب بمخطوبته ومعاشرته لها ، بل واتصاله بها جنسيا ، وقبل تحقق الشروط المتطلبة شرعا في الزواج ، يعد ضربا من ضروب الزنى . وهذا ما قصده الفصل الثاني من مدونة الأحوال الشخصية المعنى بنصها على انه :

<< الخطبة وعد بالزواج وليست بزواج ... >> ، غير أن عبارة " وليست بزواج" ، قد حذفت من مدونة الأسرة ، ربما انسجاما مع مقتضيات المادة 156 ، التي سنتطرق لها في حينه للتعليق على الموضوع من وجهة نظرنا .

فبالرجوع إلى النص القانوني للمادة الخامسة السالفة الذكر التي تؤكد على انه تتحقق الخطبة بتعبير طرفيها بأي وسيلة ...

والمادة 156 من نفس المدونة تنص على ] إثبات النسب بالشبهة في الخطوبة : إذا تمت الخطوية ، وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة ، ينسب للخاطب للشبهة إذا توفرت الشروط التالية :

- إذا اشتهرت الخطبة بين أسرتيهما ووافق ولي الزوجة عليها عند الاقتضاء .

- إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة .

- إذا اقر الخطيبان أن الحمل منهما .


تتم معاينة الشروط بمقرر قضائي غير قابل للطعن، إذا أنكر الخاطب أن يكون ذلك الحمل منه، أمكن اللجوء إلى جميع الوسائل الشرعية في إثبات النسب .

ففي إطار هذا النص القانوني من المدونة الجديدة للأسرة اعتبرت الخطبة تواعد رجل وامرأة على الزواج .... ، فإلى حدود هذا النص القانوني تبقى الخطبة مجرد مقدمة لإبرام العقد المسمى بالزواج، حيث يتجلى من حق الطرفين معا أن يعدلا أو احدهما عنها بدون تعويض ما عدا في حالة الضرر .

لكن الفصل 156 من المدونة جاء فيه انه في الحالة التي تتم الخطبة ولا يبرم عقد الزواج ويتحقق حمل فينسب للخاطب المولود إذا توفرت الشروط المنصوص عليها في هذا الفصل واقر الخاطب بنسبة الحمل إليه .

إن المقتضى القانوني أتى بالجديد وهو أن الخطبة غدت بدورها تثبت النسب وبوسع طرفيها إذا حافظا على الشروط أن يلزما القضاء بضرورة نسبة الابن للخاطب بل انه في حالة عدم وجود أية منازعة فلا موجب لسلوك المسطرة القضائية .

لكن هذا النص طرح على المستوى العملي عدة إشكاليات و سنحاول تأطير أبرزها مبرزين وجهة نظر الأستاذ رشيد مشقاقة .

أولا : بخصوص سن طرفي الخطوبة، لم يحدد المشرع هذه السن وفي الحياة العملية يجوز للأطفال أن يمارسوا هذا الحق مادام المشرع يجيزه، فليس هناك ما يمنع ممارسة هذا الحق من قبل الأطفال الذين تبلغ أعمارهم اثني عشر سنة فما فوق أو طفلة في حدود هذا السن مما يجعلنا أمام مؤسسة زواج الأطفال ، فعدم تحديد السن في الخطبة يتنافى مع إرادة المشرع التي نصت صراحة على عدم الإذن في الزواج لمن تقل عن ثمانية عشر سنة ، فقد يفضل من لا يتوفر على السن القانوني للتزويج الاكتفاء بالخطبة وانتظار المولود الشرعي الناتج عنها ما دام انه يستفيد من مقتضيات المادة 156 التي تمكن نسبة الابن لخاطب في حالة توفر الشروط .

ثانيا : ما دام المشرع لم يحدد شروطا معينة في الفصل 156 لنسبة المولود للخاطب ، ومع عدم إنكاره فان المصالح الإدارية من مستشفيات الولادة وضباط الحالة المدنية ملزمون بقوة القانون بتضمين اسم المولود واسم الوالد الخاطب دون المرور على المحكمة ما دام ليس هناك نزاع بحيث قد يقع تمرير عدة حالات ذات طابع شرعي بناءا على هذه الوسيلة ومن ثم قد لا تتحقق إرادة المشرع بتاتا .

وعليه ، يبقى باب الحيل مفتوح على مصرعين في تطبيق مقتضيات مدونة الأسرة خاصة الحالة التي يضع فيها المشرع قيودا على بعض أنماط السلوك مثل الزواج دون السن القانوني ، وتكون إزاء واقع مفروض لا يمكن التغاضي عنه .

ومثال ذلك : الخاطب والمخطوبة دون السن القانوني اللذان يفضلان عدم الزواج والاكتفاء بالخطبة وتنشئة الأولاد مما يطرح سؤالا موازيا ، هل لا بد من حكم قضائي لإثبات النسب مع عدم وجود الخلاف بينهما ؟ وكيف تستمر العلاقة الزوجية بدون توثيق عقد الزواج ؟ ونفس الإشكال يطرح في حالة التعدد إذ يكتفي الراغب في التعدد وزوجته الثانية أو الثالثة بالخطبة طبق الفصل 156 من المدونة ضد إرادة المشرع 7
ب – موقف المجلس الأعلى من هذه المسالة :

جاء في قرار للمجلس الأعلى صادر في 30 مارس 1983 ، 8 " لما ثبت لقضاة الموضوع أن نكاح المدعى عليه للمدعية كان بعد وضع حملها المزداد منه البنت نادية فان هاته البنت لا تلحق بنسب المدعى عليه ، ولو اقر ببنوتها لأنها بنت زنا وابن الزنا لا يصح الإقرار ببنوته ولا استلحاقه ... " 9 .

من الواضح أن موقف المجلس الأعلى كان مسايرا لمقتضيات المدونة السالفة (الأحوال الشخصية) التي لم تعد تعطي إمكانية تلك المنصوص عليها في المادة 156 من المدونة الجديدة للأسرة .

ورغم ذلك فان هذا الحكم الشرعي لم يعدله أي معنى في إطار المادة، 156 السالفة الذكر، وسايرها العمل القضائي بالمحاكم الابتدائية بقسم قضاء الأسرة .

المبحث II : شروط والآثار المترتبة على انقضاء الخطبة في شتى المسائل

سنتطرق في هذا المبحث وبعجالة لشروط الخطبة موجزة ( مطلب 1 ) ، ثم إلى موضوع انقضاء الخطبة من غير زواج والتي قد تطرح بعض المشاكل القانونية التي تتعلق بمصير المهر والهدايا التي قدمها ، الخاطب بالخصوص إلى مخطوبته ،و بإمكانية التعويض المدني عن قسم الخطبة الذي يتم بإرادة احد الخطيبين المنفردة ، في إطار الأحكام العامة للمسؤولية المدنية ( المطلب 2 ).

المطلب الأول : شروط الخطبة وأحكامها الشرعية :

يشترط لصحة الخطوبة مجموعة من الشروط الجوهرية المتقررة في الفقه الإسلامي يعتد بها من الناحية الشرعية ، فمن جهة يجب أن تكون المخطوبة ممن يصح الزواج بها، ومن جهة ثانية يجب ألا يكون الغير قد سبق إلى خطبتها وقبلت خطبته وفي ذلك أقوال .

أ - بخصوص الشرط الأول ، يجوز لمن يريد الزواج أن يخطب أية امرأة يحل له شرعا التزوج بها في الحال ، إذ يترتب عن ذلك انه لا يجوز له أن يخطب المرأة التي يحرم عليه شرعا أن يتزوجها مؤبدا أو مؤقتا، فالقاعدة قررها جمهور الفقهاء ومفادها " متى كان الزواج حراما كانت الخطبة التي هي وسيلة إليه حراما كذلك ".

- وقد استثنى من قاعدة أن الشخص لا يجوز له أن يخطب المرأة التي يحرم عليه أن يتزوجها في الحال صورة واحدة والأمر هنا يتعلق بحالة المرأة المعتدة من وفاة حيث يجوز خطبتها تعريضا لا تصريحاً . 8 والمقصود بالتصريح أن يذكر الرجل لفظا له معنى ظاهر ولكنه ينصرف إلى معنى آخر غير رغبته في الزواج مثل أريد أن أتزوجك أو أخطبك لنفسي .

أما بخصوص التعريض فالمقصود به أن يشتمل لفضا له معنى ظاهر، ولكنه ينصرف إلى معنى آخر غير معناه الظاهر ومثال ذلك قوله << وددت لو تيسر لي زوجة صالحة >> .

ودليل ذلك قوله تعالى جلت عضمته : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم } 9

والمقصود بالنساء في هذه الآية المعتدات من وفاة بدليل الآية السابقة لها والتي تقول : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } 10 .

ب - أما فيما يتعلق بالشرط الثاني ، فالأمر يتعلق بحكم الخطبة على الخطبة ، هذه مسالة لم يتعرض لها المشرع المغربي ، ومن الناحية الفقهية يرى جمهور الفقهاء أن عدم جواز خطبة شخص على آخر مسالة دينية صرفة، فمن الناحية الشرعية لا يجوز لرجل أن يخطب امرأة سبقت خطبتها ورضيت به ، والأصل الذي بني عليه هذا الحكم هو قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، << المؤمن أخ المؤمن ولا يحل المؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولايخطب على خطبته حتى يذر >> 11 . و عليه فان كانت المرأة قد رفضت خطيبها الأول أو عدل هو نفسه عن تلك الخطبة ، صح في هذه الحالة من الناحية الشرعية لغيره أن يخطبها لنفسه. لكن مادامت مسألة الخطبة على الخطبة مسألة دينية صرفة تدخل ضمن علاقة الإنسان بربه ، فمتى خطب شخص على خطبة شخص آخر وابرم فيما بعد عقد الزواج كنتيجة لهذه الخطبة الثانية، وكان هذا العقد صحيحا من الناحية القانونية من كافة الوجوه ، فيبقى مجرد إثم لا أثر له على العقد يحاسب عليه أمام ربه جلا وعلا، دون القانون ما دام لم يمس بشروط صحة العقد وأركانه .

تبقى الإشارة إلى مسالة النظر إلى المخطوبة التي حسمت فيها السنة النبوية الشريفة لقول الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام لجابر رضي الله عنه : { إذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل } 12 وحتى تكون الرؤية واضحة ومشروعة في نظر الإسلام فانه يشترط لما سبق كشرط أساسي حضور أحد محارم المخطوبة ، دون الخلوة بها وحدها .

المطلب 2 : انقضاء الخطبة من غير زواج ومشاكله القانونية :

بالرجوع إلى نص المادة 13 من مدونة الأسرة والتي جاء نص مضمونها قائلا بما يلي : { يعتبر الطرفان في فترة خطبة إلى حين الإشهاد على عقد الزواج ولكل من الطرفين العدول عنها }. فمن خلال نص المادة 13 ، يمكن أن نستنتج بأن الخطبة تنقضي عادة بمجرد تحقق الغرض الأساسي المتوخات منها ، والمتمثل في إبرام عقد الزواج . وإما أن تنقضي بعدول احدهما عنها سواء من جهة الخاطب أو المخطوبة أو تقابلهما 13 هذا من جهة ومن جهة أخرى يعتبر الحق في العدول عن الخطبة من القواعد التي تتصل بالنظام العام ، بحيث لا يمكن النزول عنها أو الاتفاق بين طرفي علاقة الخطوبة على عدم العدول مهما كانت الأسباب بالنسبة للطرفين على حد سواء .

لكن الإشكالات القانونية تطرح بخصوص الخطبة المنتهية من غير زواج سواءافيما يتعلق بمصير المهر والتي يقدمها خصوصا الخاطب لمخطوبته ( أ ) . وبإمكانية التعويض المدني عن قسم الخطبة الذي يتم بإرادة احد الخطيبين المنفردة ، في إطار الأحكام العامة للمسؤولية المدنية .

أ – بخصوص مسالة الصداق والهدايا ومصيرهما : هذه المسالة تطرح التساؤل التالي : ما مصير و أثر عدول أحد الطرفين أو كلاهما عن الخطبة في ما تم تقديمه من مهر وهدايا ؟ كما هو معلوم فان الصداق شرط لصحة الزواج على ما أكده المشرع في المادة 13 من المدونة الجديدة ، وقد حدث بخصوصه أن يقدمه الخاطب للمخطوبة ، كله أو جزء منه ، قبل إبرام عقد الزواج لأسباب ظهرت له، أو الاتفاق تم بين الطرفين ، أو لاشتراطه من قبل المخطوبة .

هذا الحدث قننته المادة 9 من مدونة الأسرة عندما أعدت على انه : { إذا قدم الخاطب الصداق أو جزءا منه ، وحدث عدول عن الخطبة أو مات احد الطرفين أثناءها ، فللخاطب أو لورثته استرداد ما سلم إذا لم ترغب المخطوبة في أداء المبلغ الذي حول إلى جهاز ، تحمل المتسبب في العدول ما قد ينتج عن ذلك من خسارة بين قيمة الجهاز والمبلغ المؤدى فيه }.
فعدم الاحتفاظ بالمهر من قبل المرأة في مرحلة الخطبة هو تطبيق مبدأ "عدم الإثراء بلا سبب"، ما لم يتنازل عنه الخاطب عن طيب خاطر، دون ضغط أو إكراه . 14

أما فيما يتعلق بالهدايا ، فان الحكم المقرر بالنسبة للصداق يعكس الحكم المقرر بالنسبة للهدايا من خلال نصوص القانون المنضم للأسرة سواء مدونة الأحوال الشخصية الملغاة في فصلها الثالث الذي ينص على انه : " لكل من الخاطب والمخطوبة العدول عن الخطبة ، وللخاطب أن يسترد الهدايا إلا إذا كان العدول عن الخطبة من قبله ، وقد سارت مدونة الأسرة بدورها في نفس الاتجاه ، من خلال المادة 8 كما يلي : { لكل من الخاطب والمخطوبة أن يسترد ما قدمه من هدايا ، مالم يكن العدول من قبله ، وترد الهدايا بعينها أو بقيمتها حسب الأحوال }


قد يتصور في هذه الحالة أيضا أن تنكر الخاطبة، بأنها توصلت بالهدية التي يدعيها الخاطب، وفي هذه الحالة تطبق قاعدة " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر "

ونستعرض في هذا المقام قضية في نفس المشكل القانوني المدروس وتتلخص وقائعها فيما يلي :

] خطب السيد ـ ع.زـ الآنسة ـ خ.ف ـ من عائلتها قصد الزواج بها ، واستجابت الفتاة لهذه الخطبة التي أعلنت وذاع أمرها بين الناس. وفي أثناء فترة الخطبة تبرع الخاطب على مخطوبته بقطعة أرضية مساحتها عشرة هكتارات وهي من أجود البقعة باسمها في السجل العقاري . وبعد ذلك عمدت الفتاة المخطوبة إلى الزواج من رجل آخر غير المتبرع . رفع الخاطب الأول دعوى على المتبرع إليها خ .ف يطلب من خلالها من القضاء الحكم له برجوعه فيما سبق له آن تبرع به ، واستند في دعواه على مقتضيات الفصل الثالث من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة .

وقد حكم القضاء المغربي في هذه النازلة بأحقية الخاطب في استرجاعه لهديته عند ما تبين له أن ما قامت به المخطوبة هو عمل مشوب بسوء نية ، واستخلص من ذلك أن العدول كان من جانبها وليس من جانبه 15.
تبقى الإشارة إلى أن أحكام الهدايا في الخطبة من غير أحكام الهدايا بعد إبرام عقد الزواج ، فالحالة الأخيرة أي حكم الهدايا أثناء سريان عقد الزواج لم تنظم أحكامه مدونة الأسرة الجديدة كما هو الشأن بالنسبة للهدايا أثناء الخطبة ، وما دام المشرع في المدونة الجديدة للأسرة عالج مسالة عدم ورود حكم بمسالة المالكي إذا ما اعتمدنا على المادة 400 من مدونة الأسرة . وهو ما يحتم علينا معرفة حكم المذهب وأقواله في هذه المسالة .

إن ما يرسله الزوج ويبعته إلى زوجته قبل الدخول والبناء من ثياب وحلي وغير ذلك ثم وقع الفراق بطلاق أو بفرضية القسم. فان السؤال المطروح هو هل يرجع ذلك للزوج أو تحتفظ به الزوجة ؟ الجواب على ذلك فيه تفصيل .<< إن سمي ذلك هدية فليس له إرجاعها وكان باقية بذلك في استبداد الزوجة ، إلا أن يسمح النكاح بينهما قبل البناء بوجه من وجوه الفسخ ، فله حينئذ استخلاص ما بقي دون ما ضاع منها فلا تطالب به ، وعلى ذلك نية ذلك ابن عاصم الغرناطي 16 . وان اشهد الزوج سرا بان ذلك للزوجة فله استرجاع ما وجد منها في الطلاق والفسخ وبقاء العممة ، فان ادعت إرسالها تحسب له من الهجر ، للزوج ورده أو تحبس ذلك وتحسبه من المهر كما زعم الزوج ، وان ادعت أن ذلك هبة للثواب رجع بذلك للعرف ، فان شهد له العرف صدق في دعواه وإلا فلا ...>> 17

ب التعويض في حالة عن العدول عن الخطبة :


كثيرا ما يصاحب العدول عن الخطبة من احد الخطيبين ضرر يلحق بأحدهما قد يعون ماديا ( كان يخطب رجل امرأة موظفة ثم تتخلى عن وظيفتها بطلب منه ) ، كما أن الضرر قد يكون معنويا ( كاهانة الخاطب للمخطوبة أو اتهامها له بما يمس الشعور والكرامة كالطعن في العرض وفي أخلاق العائلة ). ويكون نوع هذا الضرر حالا ومباشرا ، لهذا الاعتبار وقع التساؤل من الناحية الفقهية حول ما مدى إمكانية رفع دعوى التعويض من طرف المتضرر من الطرفين إطار المبادئ العامة للمسؤولية المدنية التي تمنع كقاعدة عامة الأضرار بالغير بدون وجه حق 18

إذا ما تطرقنا بعجالة لموقف القانون والاجتهاد القضائي المقارن خاصة منه الفرنسي والمصري من خلال تأصيل مبادئ التعويض عن العدول في الخطبة للضرر على أساس العقد أي المبادئ العامة للعقد أي المسؤولية التقصيرية . قبل الوصول إلى موقف المشرع المغربي الجديد في مدونة الأسرة .


- أن المبادئ الفقهية التي سادت في فرنسا خلال القرن 19 م ، نعتبر الخطبة عقدا يرتب التزاما يعمل بتحول عند عدم الوفاء به إلى تعويض 19 ، وقد ظهرت هذه النظرية غداة صدر القانون المدني الفرنسي لسنة 1804 . إذ أراد تأسيس مسؤولية الخاطب على أساس الفصل 1142 التي تنص على انه : ] كل التزام بعمل أو بامتناع عن عمل يتحول إلى تعويض إذا لم يقم المدين بتنفيذه [ .

وعليه نجد الفقه الفرنسي من جهته طبق قاعدة " العقد شريعة المتقاعدين " على الوعد بالزواج 20
وقد سار القضاء الفرنسي من خلال مجموعة من الأحكام الصادرة من جهة في الاتجاه الذي أيده الفقه أعلاه ومن هذه الأحكام حكم محكمة تولوز 21

" الخطبة عقد ملزم يرتب التزامات تبادلية بين المتعاقدين بإتمام الوعد بالزواج ، وهذا الوعد يخول كلا منهما دعوى لإجبار الآخر على الوفاء به ، لكن طبيعة هذا الارتباط تقضي بان يتحول بالضرورة إلى التزام بالتعويض يلتزم به من يرفض التنفيذ طبقا للمبادئ العامة التي اخذ بها القانون لفرنسي "

لكن استقر القضاء الفرنسي حاليا في مجموعة من توراته على عدم الحكم بالتعويض عن الخطبة لمجرد العدول عنها ، وإنما يشترط لذلك وجود ظروف أخرى مستقلة عن فعل العدول نفسه ، طبقا للمبادئ العامة للمسؤولية التقصيرية

- وبالرجوع من جهة أخرى موقف التشريع المصري 22 ، والذي يخلو بدوره من نص صريح ينظم هذه المسالة إلا أن الفقه المصري قد تصدى لها بالبحث ،وبالخصوص بعد طرح الموضوع أكثر من مرة . وقد حسمت محكمة النقض المصرية المسالة منذ سنة 1939 . في قرار شهير فضت فيه من خلاله 23
" الخطبة ليست إلا تمهيدا لعقد الزواج ، هذا الوعد لايفيد احد أن المتواعدين ... لكن إذا كان الموعد بالزواج والعدول عنه قد لازمتها أفعال أخرى مستقلة استقلالا تاما ، كانت تلحق ضررا ماديا وأدبيا بأحد المتواعدين فإنها تكون مستوجبة التضمين على من وقعت منه "

ونستنتج من هذا القرار أن القضاء في مصر قد انتهى إلى تقرير المبادئ القانونية الثلاث الآتية :

1- الخطبة ليست بعقد ملزم

2- مجرد العدول عن الخطبة لا يعد سببا موجبا للتعويض

3- إذا صاحب العدول عن الخطبة أفعال أو أقوال أوقعت ضررا ماديا أو معنويا بأحد الخطيبين، جاز للخاطب المتضرر أن يرفع دعوى المطالبة بالتعويض .

لكن بالرجوع إلى مدونة الأسرة الجديدة نستقرئ موقعها من خلال المادة السابعة التي قضت بأنه :

مجرد العدول عن الخطبة لا يترتب عنه تعويض غير أنه إذا صدر عن أحد الطرفين فعل سبب ضررا للأخر ،. يمكن للمتضرر المطالبة بالتعويض.فنلاحظ أن الرأي المنطقي الصائب الذي انتهت إليه محكمة النقض المصرية من قرارها السابق، هو الذي قننته مدونة الأسرة .

وفي التشريع المقارن، فان البند الثالث من المادة الأولى من القانون رقم 10 لسنة 1984 الليبي بشأن الأحكام الخاصة بالزواج والطلاق وآثارهما:إذا تسبب العدول عن الخطبة ضرر تحمل المتسبب فيه التعويض عنه .
الفصل الثاني : انشاء الزواج في مدونة الاسرة المغربية

من المعلوم أن الزواج هو ميثاق ومؤسسة اجتماعية ترتقي بالإنسان إلى مستوى العلاقات الروحية لما يتميز به من ربط الأسرة برباط وثيق قائم على المودة والرحمة لقوله تعالى : " واخدنا منكم ميثاقا غليظا " 24

وقد شرع الله هذا الميثاق لمصلحة المجتمع والرقي به .


وباستقراء نصوص قانون مدونة الأسرة المغربية 70.03 نجده اشترط في الزواج عدة شروط غير أن هذه الشروط قد تطرح عدة إشكالات سواء على مستوى الرشد أو الولاية في الزواج , كما أن هذه المدونة حاولت التطرق للزواج الفاسد والباطل والآثار المترتبة عنه في مجال النسب والإرث , وحكم الصداق والفسخ , بالإضافة إلى التعدد وما يطرحه من إشكالات (مبحث I)

وإذا كان عقد الزواج يرتبط بعدة شروط شكلية لتوثيقه , فانه هناك حالة استثنائية وضعها المشرع لتوثيقه (مبحث II) .

المبحث الأول : شروط صحة الزواج واشكالياته

اشترط المشرع لانعقاد الزواج عدة شروط نضمها من الفصل 10 إلى 34 من قانون مدونة الأسرة, فقد اعتبر في المادة العاشرة بأن الزواج ينعقد بإيجاب احد المتعاقدين وقبول الأخر بألفاظ تفيد معنى الزواج لغة أو عرفا ........

فإذا اشترطه في الإيجاب والقبول : إما شفوي أو كتابي وان يكون متطابق في مجلس واحد وان يكون غير مقيدين بأجل أو شرط واقف أو فاسخ .

فان المادة 13 من (ق م م ) قد نص على شروط غاية في الأهمية .

حاولنا التركيز فيها على شرطين أساسيين وهي أهلية الزوج والزوجة والولاية في الزواج وذلك لما يطرحانه من إشكالات على مستوى العمل القضائي والواقعي .

المطلب 1 : شروط صحة الزواج

أ – الرشد الأصل والاستثناء

من المعلوم أن كمال الأهلية يتم بأمرين إما بالتمتع بالقوة العقلية وإتمام ثمان عشرة سنة شمسية , ومن خلال استقراء مختلف نصوص مدونة الأسرة خصوصا المواد 208.207.206 .

أما التعريفات الفقهية 26 فهناك من يعرفها, بأنها عبارة عن صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له, أو عليه.ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعا.ومن تم تنقسم إلى أهلية وجوب وأهلية أداء. فهذه الأخيرة تعني صلاحية الإنسان لان تصدر منه أفعال يعتد بها شرعا .

وهي أما ناقصة أو كاملة.ولقد حددت المادة 19 شرطين أساسيين لكمال الأهلية .

فالأول يتمثل بالتمتع بالقوة العقلية .فالتكليف لا يكون إلا بشرط العقل .لكن أعطت الفرصة للمصاب بإعاقة ذهنية ذكرا كان أم أنثى بالزواج .

اما كمال أهلية الزواج بثمان عشرة سنة شمسية , وذلك كعلة منضبطة ولما كان الزواج من التصرفات القانونية فالعقل والإدراك من الشروط الأساسية لإبرامه , فان كان احد الزوجين مجنونا أو معتوها كان الزواج فاسدا وغير صحيح , حيث يعتبر الجنون والعته من عيوب الإرادة فكل تصرف يأتيه فاقد الإدراك يعتبر باطلا .

وإذا كان هذا هو الأصل فان المادة 20 من قانون مدونة الأسرة أعطت الإمكانية لقاضي الأسرة بأن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 , بمقرر يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك إما بناءا على خبرة طبية أو بحث اجتماعي , ولعل هذا الاستثناء من بين الايجابيات التي نصت عليها المدونة , لان تحديد ثماني عشرة سنة رغم ما فيه من مصلحة فهو ينضوي على عيوب كثيرة وخطيرة .

إلا أن زواج القاصر متوقف على موافقة نائبه الشرعي إذ لا يجوز للعدليين أن يشهدا على الزواج إلا إذا وافق الولي الشرعي وقد أعطت المدونة إمكانية تدخل القاضي عند امتناع الولي عن تزويج القاصر إذا رفع القاصر أمره إليه 27 وما دام أن لكل مركز قانوني أثاره فان زواج القاصر تترتب عليه حقوق والتزامات .

لكن الواقع العملي اثبت أن الراغبين في الزواج تعاملوا مع المقتضيات السابقة الذكر خلافا لإرادة المشرع فمن هم دون سن الثامنة عشرة والذين رفضا القاضي لهم الإذن بالزواج, استعاضوا عن العقد باعتمادهم المادة 16 من مدونة الأسرة, أي ثبوت الزوجية .

بحيث أصبح الفصل 19و 20 مجرد قنطرة للوصول إلى الفصل 16، وترتب عن ذلك أن عدد أحكام ثبوت الزوجية أصبح يفوق عدد الزواج وبالتالي تحقق خلاف المبدأ القانوني القار, وأصبح الأصل هو الاستثناء .

إن حل هذا الإشكال يقتضي عدم اللجوء إلى إعمال المادة 16 في الحالات التي يرفض فيها القاضي الإذن بزواج القاصر وبصفة عامة جميع حالات الزواج الحديثة العهد لان القول بغير ذلك لا يحقق الغاية من صدور مدونة الأسرة 28

ب - الولاية في الزواج


تشكل الولاية في الزواج احد المواضيع التي عرفت جدلا واسعا سواء على مستوى الفقه الإسلامي أو التشريع المغربي, خصوصا مدونة الأحوال الشخصية ومدونة الأسرة الجديدة, حيث تحولت شرط صحة في الزواج إلى حق من حقوق المرأة الراشدة     29.

وإذا كان الفقه يعتبر أن الولاية هي سلطة تجعل لمن تبثث له القدرة على إنشاء التصرفات القانونية وتنفيذها نيابة عن المولى عليه.وهي إما ولاية على المال أو ولاية على النفس , وقد تجمع الولايتان في يد واحدة كولاية الأب على أبنائه , وقد تتوزع على شخصين , لذلك سندرس الولاية على النفس إذ كونها تتعلق بإبرام عقد الزواج .


فبنسبة للتشريع المغربي . نجد مدونة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1957 اعتبرت الولاية شرط صحة في عقد الزوج , لا يصح إلا بتوفره  30

أما في تعديلات 1993 فقد قرر الشرع ثلاث قواعد فعتبر الولاية شرط صحة في عقد الزواج لا يصح إلا بتوفرها .


الولاية في الأصل هي ولاية اختيار. بحيث لا يمكن للولي أن يعقد على من توجد تحت ولايته إلا برضاها وبتفويض منها.واستثناءا تتحول الولاية إلى ولاية إجبار ذلك حفاظا على مصلحتها .

أما في قانون المدونة الجديد نظم الشرع الولاية في الزواج في المادتين 24 و 25 .

فالمادة 24 تعتبر أن الولاية حق للمرأة تمارسها الراشدة حسب اختيارها ومصلحتها , وهكذا فالولاية لم تعد شرط صحة في الزواج , واعتمدا بذلك رأي الأحناف 31 ، الذي لا يفرض الولاية على المرأة الراشدة , أي تلك التي أكملت من الرشد القانوني كما حددته المادة 209 من مدونة الأسرة .

أما المادة 25 من هذه الأخيرة , فاعتبرت أن للراشد أن تعقد زواجها بنفسها , أو تفوض ذلك لأبيها أو احد أقاربها ومن تم فالولاية حق لها تستعمله حسب ما ترتئي .

أما القاصر التي لم تصل إلى سن الزواج (18 سنة ) وهو في الوقت نفسه سن الرشد القانوني, فتخضع لمقتضيات المادة 20 ة من مدونة الأسرة .

والواقع أن السماح للمرأة بزواج نفسها بنفسها جاء تحت إلحاح المطالب النسائية, أخذا بالاتفاقيات التي صادق عليها المغرب, والمشرع المغربي لا يزال بين النازلتين في الإبقاء على الولاية أو تركها .

فالراشدة لها أن تزوج نفسها بنفسها أو أن تفوض ذلك لأهلها أو احد أقاربها, فالأول هو الأصل والثاني هو الاستثناء .

وباستقراء أراء بعض الفقه الحديث فهو يذهب إلى تأييد الولاية في الزواج , لكونه عقد عظيم الخطر , وترتب عليه أثار خطيرة على الأسرة والأولاد , فالمصلحة تقتضي الحضر فيه لأنه يحتاج إلى خبرة واسعة بأحوال الرجال ولا يصح الزواج بدون ولي 32 .

فزواج المرأة نفسها بنفسها يؤدي إلى شرخ في الأسرة ويلحق بها أضرارا بالغة تنعكس على المجتمع .

هذا بالإضافة إلى أن المجتمع الإسلامي تعارف على الولاية في الزواج بل هو من الأنماط الثقافية الإجبارية , وبتجاهل المشرع للولي يكون قد هجر المذهب المالكي واخذ بنسبة ضئيلة من الأقوال الشاذة في الولاية , بل نجده يتناقض مع نفسه حيث يبيح للرشيدة زواج نفسها بنفسها ويقر بضرورة انتداب حكمين أو مجلس العائلة أو من نراه مؤهلا لإصلاح ذات البين في مسطرة الطلاق لإجراء الصلح 33.
فإذا كانت الأهلية والولاية كأحد الشروط لصحة الزواج فان هناك إشكالات أخرى قد تطرح على مستوى الزواج غير الصحيح أو على مستوى التعدد, خصوصا في ظل التحول من مدونة الأحوال الشخصية إلى قانون الأسرة .

المطلب الثاني : الإشكالات المطروحة في عقد الزواج

من خلال استقراء المادة 50 من مدونة الأسرة , والتي تعتبر الزواج صحيحا متى توفرت له شروطه وأركانه وانتفت الموانع , ومن تم ينتج جميع آثاره من الحقوق والواجبات التي رتبتها الشريعة بين الزوجين والأبناء والأقارب , و متى انتفت هذه الأركان والشروط اعتبر العقد باطلا أو فاسدا .

وهذا التميز وهو جديد إذ يميز ما يمكن إصلاحه من النكاح غير الصحيح وما لا يمكن إصلاحه

والزواج الباطل يراد به كل زواج اجمع العلماء على عدم صحته لعلة في عقده أي لإخلاله بركن من أركان العقد .

أما الزواج الفاسد يرد به كل زواج اختلف العلماء في صحته لمن اصدق زوجته خمرا أو شيء مجهول, وقد حصرت المدونة, الزواج الباطل في ثلاث أمور   34

أ : أثار الزواج غير الصحيح


إذا كان المشرع قد اعتبر في المادة 58 من مدونة الأسرة أن الزواج الباطل منعدم شرعا , وبالتالي خول للمحكمة حق إثارته تلقائيا كما خول ذلك كل من له مصلحة في إثارته , غير انه من الناحية الواقعية والعملية قد تترتب عن هذا الزواج عدة إشكالات سواء على مستوى النسب أو الإرث ,

وكذلك فيما يخص حكم الصداق وحكم الفسخ .

فالزواج الباطل يفسخ قبل الدخول وبعده أي دون أن يحسب على الزوجة طلقة, مثل من جمع بين المرأة وأختها أما الزواج الباطل من حيث استحقاق المرأة الصداق فهو على قسمين .

فإذا فسخ قبل الدخول فان الزوجة لا تستحق صداقا أما بعد الدخول , فانه يجب أن يدفع لها الزوج قدرا من المال مقابل ذلك بحسب اجتهادا , القاضي وبحسب النظر إلى حالهما .

ولكن هذا إذا لم يدخل بها (دون الوطء ) وان دخل بها فللزوجة مسمى من الصداق, أما في نكاح التفويض فيكون لها صداق المثل  35

أما آثار الزواج الباطل من حيث ثبوت النسب فيجب الزوجان حسني القصد والنية, بان يكونا على علم بان زواجهما محرم كمن تزوج بأخته من الرضاعة دون علمهما، فان الولد في هذه الحالة يلحق بالزوج .


أما في حالة كان الزوجان أو احدهما سيئ القصد , فالولد لا يلحق بالزوج لأنه ابن زنا , وضابطه أن كل نكاح يترتب عليه الحد , لا يلحق به الولد بابيه ويستثني من ذلك إذا اعترف الزوج بأنه على علم بحرمة ذلك في حالات ثلاث :

1- إذا تزوج امرأة كان قد طلقها ثلاث من غير أن تتزوج غيره .

2- إذا تزوج امرأة تحرم عليه حرمة مؤبدة .

3- إذا تزوج امرأة خامسة .

أما فيما يخص حكم الإرث في الزواج الباطل , فلا يكون سببا للتوارث بين الزوجين لأنه محض زنا , والزنا مانع من موانع الإرث .

هذا فيما يخص الزواج الباطل , أما الزواج الفاسد فقد عالجته المواد 59, 60, 61 من مدونة الأسرة

وعموما فان الزواج الفاسد يفسخ بطلاق إذا تم الإطلاع على فساده قبل البناء, ويصحح بصداق المثل إذا لم يتبين إلا بعد البناء .

وقد حددت مدونة الأسرة, حالات الفسخ قبل الدخول وبعده في ثلاث :

1- إذا تزوج احد الزوجين في المرض الذي يخشى عليه الموت بسببه ( المادة 35)

2- إذا قصد الزوج بالزواج تحليل المبتوتة لمن طلقها ثلاث ( المادة 4 )

3- إذا كان الزوج بدون ولي في حالة وجوبه وقد سبق في المادة 13

أما من حيث حكم الصداق في الزواج الفاسد فهو نفسه نفس حكم الزواج الباطل ( المادة 58 )

أما فيما يخص النسب فان الولد الناشئ عنه يلحق بالزوج وينتسب إليه .

أما انتشار الحرمة في الزواج الفاسد فيترتب عليه ما يترتب على الزواج الصحيح , اما العدة فحكمها حكم زواج صحيح .

وقد يطرح نفس الإشكال بالنسبة للزواج المشوب بالإكراه والتدليس فإذا كانت المادة 62 حينما اعتبرت اقتران الإيجاب والقبول وأحالت في ذلك على المادة 47 والتي تشترط أن لا يكون الشرط مخالف للشرع والقانون فان الإشكال الحقيقي يطرح أمامنا حينما ينعقد الزواج بالإكراه والتدليس ( المادة 63) وقد يكره احد الزوجين الأخر على التعاقد إما إكراها ماديا أو معنويا فإرادة المتعاقد تكون معيبة والعقد يستوجب الفسخ .

وهذا ما أخذ به القضاء المغربي , فقد اعتبر إجبار الأستاذ طالبته على الزواج به تحت طائلة الرسوب في الامتحان إكراها معنويا , يستوجب الفسخ والتعويض 36 .

فالمشرع أعطى للمكره أو المدلس عليه حق طلب فسخ عقد الزواج قبل الدخول وبعده لأنه مشوب بعيب من عيوب الإرادة , وأصبح مفروضا على إرادته وهكذا فقد خول الحق في طلب الفسخ خلال اجل لا يتعدى شهرين يحسب من تاريخ زوال الإكراه أو العلم بالتدليس .

و إذا كـان الزوج غير الصحيح يطرح عـــدة إشـكالات فإنهــا لا تقلعـن الإشكالات التي تـطرح عـــن التعدد .

ب- مسألة تعدد الزوجات بين قانون الأحوال الشخصية و مدونة الأسرة

يقصد بالتعدد، زواج شخص بأكثر من واحدة على أن لا يتجاوز القدر المسمـوح بـه شرعا و هـو أربعــــة، و هـــــو جائـز و مشــروع .

و التــعدد رخصة و استثنــاء إذ لا يـتوسع فيهمـا و لا يـلجأ إليـهم إلا للضرورة القصـوى، والضرورة تـــقـــدر بـقدرتهـــا .

و بــاستقـراء مدونة الأســرة المغربيـة نجـــد الشــرع قيد التــعدد بأربــــع شـــروط .

1) التـحقـق مــن إمكانيـة تـحقيـق العـــدل بـيـن الـزوجـات ( يمنـع التـعدد إذا خيــف عـدم العـدل، الفصل 40).

2) عـدم اشتراط الزوجـة على الــزوج عـــدم الــزواج عليها (الفصل 42 ).

3) وجــود سـبب استثنائي موضـوعي (الفصـــل 41).

4) مـوافقـة الـزوجـة المـراد التزوج عـليـها (الفصــل 43 ).

و مـن النـاحيـة المـسطريـة لا يـختلـف الأمر كثيرا بيـن المسطرة العمليـة ســواء فـي ظــل قـانـون الأحـوال الشخـصية أو مـــدونـة الأسـرة، فـفـي هـذه الأخيــرة و إن لـــم يـحـدد المـشـروع ذلك، فـإن العمـل القـضائــي جــرى علـى أن يـقـدم طالـب التــعدد طلبــه إلــى السيـد قـاضــي التوثيـق يـتضمن الهـوية الكاملـة له وبـيـان حالته الـعائليـة، والسبـب الـــدافـــع إلـى طـلــب التــعدد مـرفقـا إليـه بمستند الـزوجيـة و مـا يثبت وضعيته المــادية .

غيـر أن قرار قـاضـي التوثيـق بالإذن بالتعدد، فإنه في حالة الرفـض شـهد نقــاشا حـول طبـيعـته الـوضعيـة وبالتالي مـدى قابليتـه للـطعـن .

فـقد ذهـب البــعض إلـى اعتبـاره قـرارا قضائــيا وبـالتالي فــهو قرار غير قابـل لأي طعن، و ذهــب البعض الآخـر إلـى اعتباره قرارا ولائيــا. و بالتالـي فـهـو قابل للطعـن أمام الـقضاء الإداري .

و مـن بيـن الإشكـالات التـي يطرحهـا التـعـدد في حالـة رفـض المـرأة زوجـها بـالزوج فـإذا كانت الحالة الأولى التي ترفض فيها و تطلــب الطـلاق فلا إشـكــال، و لـكــن الإشكال يـطرح عندما تـرفض وتتمســك بزوجـهــا، والــزوج مـتـمسك بـــطلبـه، فـإن الـفصل 46 يـنص على أن المـحكمة ـتطـبـق مسطــرة الشقاق تلقائيا مما يطرح تساؤلا مشروعا،هــو هــل المحكمة ملزمة بـتطبيــق هـذا النـص .

المبحث الثـاني: القواعد الـعامـة و الاستثنائية لتوثيـــق عقــد الــزواج و الإشكاليات الـمرتبطـة به الأسرة جاءت بمستجدات فـي شـأن توثيق عقـد الزواج، و بـإلقـــاء نظرة عن هذه المستجدات نـذرك أن الشـرع أولـى عـنـاية كبـرى لتـوثيـق هــذا الـعـقـد الـذي هــو حريا بـذلك لتعلقه بـالأسرة،وحفاظا على الحـقـوق نفقــة ونسبا و إرثا و غير ذلك .

و تـفاديا لكـل تحايـل عليــه وإنكـــارا للعلاقة الزوجيـة فـي غـياب هـذا التوثيــق .

فإذا كان توثيق عقد الزواج هو الأساس الوحيد لاتباث الزواج فانه قد يتعذر في بعض الأحيان هذا الاتباث إما بسبب وجود ظرف قاهر أو لكون الزواج ابرم خارج المغرب , وفي هاتين الحالتين أجازت المدونة اتباث الزواج بغير الاتباث العدلي .

المطلب الأول : الظرف القاهر كاستثناء في اتباث الزواج

إن عدم الاشهاد على الزواج من قبل العدلين في ظل مدونة الأسرة يستوجب رفع دعوى من اجل إثبات الزواج وصدور حكم بثبت العلاقة الزوجية وهي دعوى ترفع إما من قبل الزوجين معا أو احدهما أو كل من له الصفة والمصلحة في ذلك كالأبناء مثلا في حالة وفاة الوالدين .ويمكن رفع هذه الدعوى ولو كان احد الزوجين أو كلاهما قاصرين غير متممين 18 سنة ( الفصل 209 من المدونة ) لان الحكم بثبوت الزوجية حكم تقريري تنصرف أثاره بصفة رجعية إلى وقت إبرام الزواج ولان المتزوجين يكتسبان الأهلية المدنية في ممارسة حق التقاضي في كل ما بتعلق بآثار الزواج من حقوق والتزامات ( الفصل 22 من المدونة ) . وبرفع المقال من قبل محام ويتضمن أسماء الزوجين وسنهما وعنونيهما وأسماء الأبناء إن وجدوا وسنهما وموضوع الطلب وغيرها من البيانات المفيدة طبقا للفصل 32 ق م م وتنظر في الدعوى هيئة جماعية متكونة من ثلاث قضاة وممثلا للنيابة العامة وكاتب للضبط . وحضور ممثل النيابة العامة يجد سنده في كونها تعد طرفا رئيسيا في جميع قضايا الأسرة

( الفصل 3 من المدونة ) إلا أن النيابة العامة تكتفي أحيانا بتقديم ملتمس كتابي في الموضوع. ومقتضيات الفصل 16 من مدونة الأسرة تتطلب وجود أسباب قاهرة حالت دون توثيق الزواج في وقته لسماع الدعوى فما هو مفهوم السبب القاهر ؟ وهل هو نفس مفهوم حالة الاستثناء المنصوص عليها في ظل مدونة الأحوال الشخصية ؟ لم يتم لحد الآن تحديد مفهوم واضح من قبل الاجتهاد القضائي وإنما ترك ذلك للفقه با ان الاحكام التي وقفنا عليها نجدها لا تبحث في السبب القاهر الذي حال دون توثيق عقد الزواج بقدر ما تبحث في الظروف والقرائن المثبتة للزواج كإقامة حفل الزواج ووجود الأبناء ومعاشرة الزوج لزوجته معاشرة الأزواج كما تبحث في شروط الزواج من صداق وغيره وتعتمد في ذلك جميع وسائل الإثبات كشهادة الشهود أو اللجوء للخبرة وغير ذلك . والسبب القاهر هو السبب الخارج عن إرادة الزوجين والذي اظطرا معه إلى الاستغناء عن توثيق عقد الزواج .فهنا لم يكن المشرع في حاجة إلى اشتراط هذا السبب لسماع دوى الزوجية مادام قد حدد أجلا لإقامتها وهو خمس سنوات ابتداء من تاريخ سربان المدونة حيز التطبيق وهو 5-2-2004 وجعلها مجرد انتقالية لحث الأزواج على توثيق عقود زواجهم .

المحكمة حين تنظر في دعوى الزوجية تتأكد مما إذا كان الزواج يتوقف على إذن من الأذون التي

يتطلبها القانون في بعض الحالات الخاصة فزواج القاصر يتوقف على إذن بالزواج من قاضي الأسرة ( الفصل 20 من مدونة الأسرة ) واعتقد ان على المحكمة الا تطلب هذا الاذن , إذا كان الزوجان او احدهما قاصرا أثناء الدعوى. أما إذا كان راشدا فلا داعي لمطالبته بهذا الادن الذي فات اوانه .

كما أن دعوى الزوجية المرفوعة من قبل احد أفراد رجال الأمن والدرك والقوات المساعدة والجنود تتطلب الحصول على رخصة من الجهة المختصة ( قرار وزير العدل رقم 04.270 الصادر بتاريخ 3-2-2004 بشأن تتميم لائحة المستندات التي يتكون منها ملف الزواج ) .

إذا كان احد الزوجين أجنبيا فان المحكمة تجري بحثا بواسطة السيد الوكيل العام للملك للتأكد من عدم وجود أي مانع من موانع الزواج مع مراعاة شرط الإسلام بالنسبة للزوج وأن تكون الزوجة كتابية بالنسبة للزوجة الغير المسلمة ( الفصل 39 من المدونة ).

زواج المصاب بإعاقة ذهنية يتوقف على إذن من قاضي الأسرة المكلف بالزواج ( الفصل 23 ) .

يجب تطبيق مسطرة التعدد (طبقا للفصل 40 إلى غاية الفصل 46 من مدونة الأسرة ) إذا كان الزوج متزوج بزوجة أخرى أو أكثر .

وبعد صدور الحكم بثبوت الزوجية توجه المحكمة ملخصا منه لضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين بعد صيرورة الحكم نهائيا .

وأعتقد أن أجل خمس سنوات يستوجب القيام بحملة تحسيسية واسعة النطاق وتسخير كافة وسائل الإعلام لتوثيق جميع عقود الزواج حتى يتم تفعيل هذا المقتضى خلال المدة المشار إليها أعلاه لان الإحكام الصادرة بثبوت الزوجية تشكل نسبة تقارب 3/100 من مجموع

المطلب الثاني : زواج المغاربة المقيمين بالخارج

اهتمت مدونة الأسرة بالجالية المغربية بالخارج وراعت أوضاعهم ببلاد الغرب, خاصة و أن البعض منهم أنصهر في المجتمع الذي يعيش فيه و يجهل قانون بلده الأصلي سيما بالنسبة للجيل الثاني و الثالث .

و نظرا لتزايد عددهم إذ تشير الإحصائيات أنهم يبلغون حوالي 3ملايين مهاجر أي نسبة 10% من مجموع سكان المغرب فقد خصتهم مدونة الأسرة بقواعد خاصة في إثبات عقود زواجهم وفقا لإجراءات الإدارية المحلية لبلد إقامتهم. إذا توفر الإيجاب و القبول و الأهلية و الولي عند الاقتضاء و إنتفت الموانع و لم ينص على إسقاط الصداق و حضره شاهدين مسلمين مع مراعاة أحكام المادة أحكام المادة 21 بعده ).

و الملاحظ إن المدونة استغنت عن الشرط الشكلي لعقد الزواج المتمثل في سماع العدلين التصريح بالإيجاب و القبول من الزوجين و توثيقه (ف 4 من المادة 13 ) لكنها استوجبت في المقابل توفر عقد الزواج على ركنه الأساسي وهو الإيجاب و القبول أي انصراف نية المتعاقدين للزواج و إلا كان الزواج باطلا المدة 57 من المدونة بالإضافة إلى كافة شروطه الموضوعية و هي أهلية الزواج و الزوجة فلا يجوز زواج القاصر إلا بموافقة وليه و حضوره أثناء إبرام عقد الزواج المادة 21 من المدونة. و أعتقد أن المقصود بالأهلية ليست أهلية قانون بلد الإقامة و إنما وفق مدونة الأسرة المغربية فسن الرشد (طبقا للفصل 209 من المدونة) هو 18 سنة شمسية كاملة. و كذلك عدم الاتفاق على إسقاط الصداق مما يعني أن عدم إشارة عقد الزواج للصداق لا يجعل العقد فاسدا و إنما يعد الزواج زواج تفويض بحيث تتولى المحكمة تحديده وفق سلطتها التقديرية مراعية الوسط الاجتماعي للزوجين (المادة 27) و تنبغي أيضا أن تنتفي في عقد الزواج الموانع الشرعية للزواج سواء الموانع المؤيدة كزواج بالمحرمات من النسب أو من الرضاعة أو مؤقتة كالجمع بين الأختين او الزيادة في عدد الزوجات عن العدد المسموح به شرعا أو الزواج من مطلقته البائن بينونة كبرى أو زواج المسلم بغير الكتابية أو المسلمة بغير المسلم. و نتساءل هنا عن التعدد في الزواج المبرم وفق قانون بلد الإقامة هل هو جائز ام لا و هل يشترط فيه الإذن بالتعدد وفق الإجراءات المنصوص عليها في الفصل 41 من المدونة أم لا داعي لطلب هذا الإذن بدلك مادام قانون بلد الإقامة لا يتطلبه. و من جهة أخرى فإن المادة 14 من المدونة تطلبت شرطا شكليا وحيدا و هو حضور شاهدين مسلمين أثناء إبرام العقد. و تطرح هنا مشكلة إثبات هذا الحضور هل ينبغي الإشارة إليه في عقد الزواج المبرم وفق قانون بلد الإقامة و ما هو الحل في الحالة التي لا يسمح فيها هذا القانون بذلك. كما تطرح مشكلة إثبات موافقة النائب الشرعي و حضوره أثناء العقد بالنسبة لزواج القاصر وفق بلد الإقامة بالخارج لأن المادة 14 من المدونة أحالت على المادة 21 من نفس القانون بخصوص الأحكام. و تجدر الإشارة أيضا إلى أن المادة 15 من المدونة أوجبت على المغاربة الذين أبرموا عقود زواجهم وفق القانون المحلي لبلد الإقامة بالخارج أن يودعوا نسخة من العقد داخل أجل ثلاث أشهر من تاريخ إبرام الزواج بالمصالح القنصلية المغربية التابع لها مل إبرام العقد. و إذا لم توجد هذه المصالح ترسل النسخة داخل نفس الأجل إلى الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية التي تتولى بدورها إرسال هذه النسخة إلى ضابط الحالة المدنية و إلى قسم قضاء الأسرة لمحل ولادة الزوجين. و إذا لم يكن لهما أو لأحدهما محل ولادة في المغرب ترسل النسخة إلى قسم قضاء الأسرة بالرباط و إلى وكيل بالمحكمة الابتدائية بالرباط .

إن هذا الإجراء مجرد إداري لا يترتب عن عدم احترامه أي جزاء لأن المشرع حدد حالات بطلان الزواج وحالات فساده (المواد 57 إلى 64 من المدونة) و ليس من ضمنها هذه الحالة. و نشير كذلك أنه إذا تضمن عقد الزواج المبرم طبقا للقانون المحلي بلد الإقامة أحكاما مخالفة لما ورد في مدونة الأسرة و للنظام العام المغربي فإن العقد يبقى صحيحا و يكون الشرط باطلا (المادة 47 من المدونة ).

خاتمة
 
 
وما نخلص إليه بالقول، هو إن كانت مدونة الأسرة حاولت إعطاء أهمية كبرى للأسرة، وأهمية خاصة للطفل، وذلك بالتنصيص على مجموعة من المقتضيات الجديدة، نذكر منها تنصيب النيابة العامة كطرف أصلي أو منظم، فرغم كل هذا فإن دخول المدونة إلى المجال العملي، أبان عن مجموعة من النواقص، والإشكالات الموضوعية والشكلية،
 
إذ كيف يمكن تفسير ارتفاع نسبة الطلاق ؟ وكذا ارتفاع نسبة العنوسة ؟
 
ثم لماذا لم يتم إعمال آليتين مهمتين وضعتهما المدونة للحفاظ على كيان الأسرة، وهما الصلح والتحكيم ومجلس العائلة ؟
 
 

 
1 خطاب ملكي بتاريخ 10. أكتوبر 2003 وذلك بقوله السامي كيف يمكن بالرقي بالمجتمع والنساء اللواتي تشكلن نصفه ،تهر حقوقهن ويتعرضن للضيق والعنف والتهميش في غير ما خولهن ديننا الحنيف من تكريم وإنصاف .
2 الدكتور محمد بونوبات والدكتور محمد مومن
مونة الأسرة بين النص والممارسة . منشورة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية . مراكش .
مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية .العدد25 .
2 الكشبور محمد : " شرح مدونة الأسرة الجزء الأول" ،" كتاب الزواج " م 2009
3 ذلك أن الخطبة ليست واجبة فهي مستحبة في الفقه المالكي ، ابن جزي م.س . م 143- الحزشي الجزء الرابع ، م . س ،م 125
4 وهذا ما افتى به السيوطي في " الحاوي للفتاوي " الجزء I م، 178 . << الخطبة ليست بعقد شرعي ؟ وهل هو عقد من الجانبين أم لا ؟ والظاهر آن الخطبة ليست بعقد شرعي ، وان تخيل كونها عقدا ، فليس بلازم بلا جائز من الجانبين قطعا. وهذا جواب السيوطي رحمه الله كما جاء في الحاوي . منقولة من مرجع الكشور
5 ذ . الأزهر محمد ، " شرح مدونة الأسرة " ، أحكام الزواج ، منشورات فضاءات قانونية .
6 من الناحية الشرعية ، ليس هناك ما يمنع من أن تكون المرأة هي الخاطبة للرجل .
وقد سبق. لخديجة بنت خويلد أن خطبت رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام وتزوجته قبل البعثة . محمد حسنيت هيكل " حياة محمد " طبعة 1968 ،ص.193
وفي القران الكريم، فان شعبيا قد عرض إحدى ابنته على موسى عليه السلام، بسم الله الرحمان الرحيم { قال أني أريد أن أنكحك إحدى ابتني هاتين على أن تجرني ثماني حجج } صدق الله العظيم. ( الآية 27 من سورة القصص )
7 تحليل ورأي الأستاذ رشيد مشقاقة في كتابه " مجرد رأي " م 13 طبعة 2005
8 ( منشورة بمجلة القضاء والقانون عدد 39 ، م 109
9 - الآية 233 من سورة البقرة .
10 - الآية 232 من سورة البقرة .
11 - أخرجه احمد ومسلم
12 احمد وابو داوود
13 التقايل يعني الاتفاق بين الخاطب والمخطوبة على إنهاء الخطبة . راجع بهذا الخصوص الإقالة الاختيارية " la résiliation" كسب لإنهاء الالتزامات الفصول من 393 إلى 398 قانون . ل . ع .
14 واحد محمد مصطفى شلبي ، " أحكام الأسرة في الإسلام " دراسة مقارنة بين الفقه والمذهب الجعفري والقانون ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت ، لبنان ص 29 و ص 65
15 قرار محكمة الاستئناف بمكناس الصادر بتاريخ 7 أكتوبر 1980 والمنشور بمجلة رابطة القضاة ، العددان 8 و 9 ص 155 وما بعدها
16 قال ابن الغرناطي
وكل ما يرسله الزوج إلى // الزوجة من الثياب والحلي
فان يكن هدية سماها // فلا يسوغ احده اياها
إلا بفسخ قبل أن يثنيا // فانه مستخلص ما بقيا
17 ميارة الفاسي على تحفة الحكام ص 187
18 مع الإشارة بان المشرع المغربي لم يحكم في كون الخطبة عقدا أم لا فإذا كانت عقد هل تخضع للمبادئ السابقة اي مبادئ العامة في التعاقد ، ام هي عقد من طبعة خاصة تترتب عليه أثار من نوع خاص
19 ذ . محمد الاشبور ، مرجع سابق ، ص141
20 Toulier , Droit Civil francaisTome , n °293 suiv
21 Toulouse , 16 février 1813 Rep DALOZ, V. mariage.n°83
22 سليمان مرقص << بحوت وتعليقات على الأحكام في المسؤولية المدنية >> 1987 ، ص 185 وما بعدها
23 نقض مدني صادر في 14 دجنبر 1939 ، مجموعة عمر 3 ، رقم 14 ص 30، عن مرجع الكشبور
المـــــــــــــــراجـــــــــــــــــــــع :




- محمـد الأزهر، شـرح مـدونة الأسـترة، الطبعــة الأولــى 2008 / السيوطـــي
" الحاوي للفتاوي " الجزء 1 .

- الدكتـــور محمد الكشبور، شــــــرح مدونة الأسرة الجـــزء الأول، الـــزواج
الطبعة الأولى 2006 / محمد مصطفى تسلبي، "أحكام الأسرة في الإسلام " ،

دراسة مقارنة بين الفقه و المذهب الجعفري و القانـــون، دار النهضة العربيــــة
للطباعة و النشر، بيروت، لبنان .

- عبد الله بــن الطاهــر السوســي الثــمــاني: مــدونــة الأســــرة فـــي إطـــار
المذهب المـــالكي و أدلتـته . الكـتاب الأول، الــــــزواج، الطبعــة الأولــى 2005 .
- مدونة الأسرة الجديدة .

- تـنسيــق الـــدكتـور محمـد بــونبات و الدكتــور محمـد مــومن: مـــدونـــة
الأســـرة بيـــن النـــص و الممـارســة . منشورات كليـــة العلــــوم القانونيــــة
و الإقتصـاديــة و الإجتمــتاعيــة، مـــركز الدراســــات القانونيـــة المــدنيـــة
و العقاريــة، سلسلــة النـدوات و الأيــام الدراسيــة، الـــعدد 25 .
سليمان مرقص "كون و تعليقات على الأحكام في المسؤولية المدنية" ط 1987

- Toulier, « Droit civil français » Tome 6, n° 293 et suite

- Merlin, « Répertoire criminel de jurisprudence », 5° éd.


24 - سورة النساء الآية 21

عبد الله بن الطاهر السوس التناني


26 القاموس الفقهي لأبي جيب ص 29 ورد في مؤلف مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي ( مرجع ص 79


27 بداية المجتهد لابن رشد : الاجتماع لابن المنذر ص 84 ( السلطان ولي من لا ولي له )

28 الأستاذ رشيد مشقاقة , مجرد رأي في مدونة الأسرة الجديدة ,طبع دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى 2005

29 الدكتور محمد الكشبور , شرح مدونة الأسرة , الجزء الأول , الزواج , الطبعة الأولى 2006 ص 218

30 بالإضافة إلى الفصل 5 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة, نص البند الثاني من الفصل 12

31 الدكتور محمد كشبور : شرح مدونة الأسرة , الجزء الأول , بوساطة نقل عن ابن رشد بداية المجتهد الجزء الثاني ص 7

32 محمد الأزهر شرح مدونة الأسرة, الطبعة الثالثة 2008 مطبعة دار النشر المغربية 127

33 نفس المرجع السابق ص 128

34 المادة 57 من مدونة الأسرة يكون الزواج باطلا

1) إذا اختل فيه احد الأركان المنصوص عليها في المادة 10

2) إذا وجد بين الزوجين احد موانع الزواج المنصوص عليها في المواد من 35 الى 39

3) إذا انعدم التطابق بين الإيجاب والقبول

35 ابن ماجة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أي من امرأة نكحت بغير وليها فنكاحها باطل وكرر ذلك ثلاث فان دخل بها فله المهر من فرجها فان تشاجر فالسلطان ولي من لا ولي له ورد في كتاب مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته , دراسة تاصيلية مقارنة عبد الله ابن الطاهر السوسي التناني , الطبعة الأولى ص 232


36 المحكمة الابتدائية بالرباط حكم عدد 2005/17 بتاريخ 14 يناير 2005 تتلخص القضية فيه أن أستاذ جامعي طلب من إحدى طالباته بالسنة الرابعة من الكلية قبول الزواج به , فلم توافق فألح عليها أن تقبل الزواج به وإلا ستكون السنة بالنسبة لها بيضاء وإنها تفاديا لما يقع من تعتر مسيرتها الدراسية قبلة الزواج به تحت طائلة الإكراه فتم توثيق عقد الزواج واتفقت معه على أن لا يكون الدخول في تاريخ لاحق للامتحانات وبعد أن اجتازت الامتحان طلبت فسخ العلاقة 18 الزوجية بينهما مع أداء مستحقاتها وكذا التعويض عن الضرر الذي لحقها من هذا الزواج الذي نم تحت الإكراه .